شريف الشوباشي: المشير عبد الحكيم عامر هدد بوقف نشر «أولاد حارتنا»| خاص
قال الكاتب الصحفي والناقد شريف الشوباشي إن المتعارف عليه لدى قطاع واسع من المثقفين والقراء، بل ولديه شخصيًا، أن رواية “أولاد حارتنا ” لم تنشر كاملة في جريدة الأهرام، موضحًا أن هذا الاعتقاد كان خاطئًا.
وأكد في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك" أنه عندما اطلع على الحلقة الأولى والحلقة الأخيرة من الرواية، والتي نشرت في 25 ديسمبر عام 1959 ومذيلًا بها ما يفيد انتهاء الرواية، اقتنع تمامًا بأنه كان مخطئًا، وبادر إلى الاعتذار عن هذا الخطأ بشكل علني.
وأضاف أن الخطأ أمر طبيعي، لكن الأهم هو الاعتراف به عندما تتضح الحقيقة، مشيرًا إلى أن احترام الإنسان لنفسه وللرأي العام ولأصدقائه يفرض عليه تصحيح معلوماته وعدم التمسك بخطأ ثبت عدم صحته.
واقعة التهديد
وأوضح الشوباشي أن تراجعه عن الاعتقاد بعدم اكتمال نشر الرواية لا ينفي صحة الواقعة الأخرى التي تحدث عنها سابقًا، والمتمثلة في تدخل المشير الراحل عبد الحكيم عامر بسبب الجدل الذي أثارته الرواية.
وقال إن هذه الواقعة رواها له الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل بنفسه وبالتفصيل، مؤكدًا أن المشير اتصل بهيكل وهدده بسبب استمرار نشر الرواية، في ظل حالة الجدل الواسعة التي كانت مشتعلة حولها آنذاك.
وأشار إلى أن الرواية كانت محل هجوم كبير، وأن الاتهامات التي وجهت إلى الأديب نجيب محفوظ وصلت إلى حد اتهامه بالكفر، وهي الاتهامات التي ظلت تلاحق العمل وصاحبه لسنوات طويلة.
الجدل حول الرواية
وأكد الشوباشي أن الجدل الذي أثير حول «أولاد حارتنا» لم يكن عابرًا، بل استمر لعقود طويلة، مشيرًا إلى أن الشخص الذي حاول اغتيال نجيب محفوظ برر فعلته بأن الكاتب كتب ما اعتبره «كلام كفر»، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي خلفته تلك الاتهامات داخل بعض الأوساط المتشددة.
وأضاف أن هناك من رأى في شخصية الجبلاوي داخل الرواية رمزًا للخالق سبحانه وتعالى، وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء موجة الهجوم التي تعرض لها العمل منذ صدوره.
التيارات المتطرفة موجودة منذ عقود
وأشار الكاتب والناقد شريف الشوباشي إلى أن ما جرى مع الرواية يمثل دليلًا على أن التيارات الدينية المتشددة لم تظهر حديثًا، وإنما كانت موجودة منذ خمسينيات القرن الماضي.
وأوضح أن هذه التيارات كانت تمارس ضغوطًا مستمرة على المجتمع وعلى المبدعين والمفكرين، وتسعى إلى تخويف كل من يطرح أفكارًا جديدة أو يقدم رؤى مختلفة، معتبرًا أن ما حدث مع نجيب محفوظ يعد نموذجًا واضحًا لهذه الضغوط.
وأكد أن وجود هذا النوع من الفكر المتشدد عبر عقود طويلة كان له تأثير مباشر على الحياة الثقافية والفكرية، وعلى استقبال الأعمال الإبداعية التي تتناول قضايا إنسانية أو فكرية بطرق غير تقليدية.
الأدب ليس كتابًا فكريًا مباشرًا
وأوضح الشوباشي أن هناك فارقًا جوهريًا بين العمل الأدبي والكتاب الفكري أو المقال المباشر، مشيرًا إلى أن الكاتب الفكري يعرض أفكاره بوضوح وصراحة، بينما يقوم الأدب على الرمز والتأويل وتعدد مستويات القراءة.
وقال إن الرواية بطبيعتها تسمح لكل قارئ بأن يراها من زاويته الخاصة، وأن يفسر رموزها وفقًا لخلفيته الثقافية والفكرية، وهو ما يجعل اختلاف التفسيرات أمرًا طبيعيًا في الأعمال الأدبية الكبرى.
وأضاف أن التعامل مع الرواية باعتبارها بيانًا فكريًا مباشرًا يؤدي إلى سوء فهم طبيعتها الفنية، لأن الأدب يعتمد على الإيحاء والرمزية أكثر من اعتماده على التصريح المباشر.
نجيب محفوظ لم يكن يدعو إلى ما اتهم به
وأكد الشوباشي أن الأديب نجيب محفوظ لم يكن يقصد من خلال أعماله إثارة الفتن أو مهاجمة العقيدة، وإنما كان يقدم رؤى أدبية وإنسانية من خلال أدوات الفن الروائي.
وأوضح أن محفوظ كان ينتمي إلى تيار يؤمن بقيم التنوير والأخلاق والارتقاء بالإنسان، وأن أعماله الأدبية كانت تسعى إلى طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالوجود والمجتمع والإنسان، وليس إلى الإساءة للدين كما روج البعض.
وأضاف أن الفرق كبير بين من يتعامل مع الدين باعتباره مصدرًا للهداية والأخلاق ومكارم السلوك الإنساني، وبين من يستخدمه كأداة لتخويف الناس ومهاجمة كل فكر جديد أو مختلف.
وأكد أن هذا المعنى لا يقتصر على رواية «أولاد حارتنا» وحدها، بل ينسحب على مجمل المشروع الأدبي لنجيب محفوظ، الذي ظل طوال مسيرته منفتحًا على الأسئلة الفكرية والإنسانية الكبرى.
لماذا انتشرت الرواية الخاطئة؟
وأشار الشوباشي إلى أن حالة الجدل الواسعة التي أحاطت بالرواية لعقود طويلة ساهمت في انتشار معلومات غير دقيقة حولها، ومنها الاعتقاد بأنها لم تُنشر كاملة في الأهرام.
وأوضح أن كثيرًا من الشخصيات التي كانت شاهدة على تفاصيل تلك المرحلة رحلت، مثل محمد حسنين هيكل، كما رحل عدد من المسؤولين الذين كانوا على دراية مباشرة بما جرى، وهو ما جعل الأجيال اللاحقة تعتمد في كثير من الأحيان على الروايات المتداولة أكثر من اعتمادها على الوثائق الأصلية.
وأضاف أنه شخصيًا لم يكن من الجيل الذي عاصر الأحداث بشكل كامل، إذ كان صغير السن في تلك الفترة، وبالتالي لم يقرأ الرواية وقت نشرها الأصلي، وإنما تأثر بما كان متداولًا من روايات وشهادات حولها.
الوثائق هي الفيصل
وأكد أن ما حدث معه يمثل درسًا مهمًا في ضرورة العودة إلى المصادر الأصلية والوثائق قبل تبني أي رواية متداولة، مهما كان انتشارها، موضحًا أن الحقيقة التاريخية يجب أن تستند دائمًا إلى الأدلة الموثقة لا إلى الانطباعات أو الشائعات المتوارثة.
واختتم الكاتب والناقد شريف الشوباشي حديثه بالتأكيد على أن الوثائق تبقى دائمًا الفيصل في مثل هذه القضايا التاريخية والثقافية، مشيرًا إلى أنه بمجرد الاطلاع على الحلقة الأخيرة المنشورة من الرواية ووجود ما يثبت انتهائها، لم يجد أي مبرر للاستمرار في تبني الرواية الخاطئة.

وأثار الكاتب الصحفي شريف الشوباشي، جدلًا واسعًا من خلال منشور له عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، قدّم فيه اعتذارًا لـ"مصطفى رحمه"، وعدد من أصدقائه، بعد تأكيدهم له أن رواية “أولاد حارتنا” نُشرت كاملة في جريدة الأهرام عام 1959، وهو ما تبيّن لاحقًا صحة وقوعه.
رواية “أولاد حارتنا”
وأعرب الشوباشي، عن تقديره للأصدقاء الذين قدموا له الدليل القاطع على صحة المعلومة، ومن بينهم الدكتور خالد منتصر، والزميل محمد سلماوي، والصحفي جمال فهمي، مشيدًا بما قدموه من توضيح.