زلزال مضيق هرمز.. كيف أعادت حرب الـ100 يوم رسم خريطة الاقتصاد العالمي؟
بعد مرور 100 يوم على اندلاع الحرب على إيران، لا تزال تداعيات الصراع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية لتلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي وأسواق المال والطاقة.
فبينما تعثرت جهود التوصل إلى اتفاق سلام دائم بين الولايات المتحدة وإيران، فرضت الحرب واقعا جديدا على المستثمرين وصناع القرار الاقتصادي، وسط مخاوف من استمرار الضغوط التضخمية واضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة.
ويكشف تقرير لشبكة CNBC عربية أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة من التقلبات الحادة منذ الأيام الأولى للحرب، في وقت تباينت فيه قدرة الاقتصادات الكبرى على امتصاص الصدمة والتكيف مع المتغيرات الجديدة.
الأسهم العالمية بين صدمة الحرب ورهان الذكاء الاصطناعي
مع انطلاق الضربات الأولى التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، شهدت البورصات العالمية موجة بيع واسعة دفعت العديد من المؤشرات إلى التراجع.
غير أن الأسواق الأمريكية نجحت تدريجيا في تجاوز الخسائر الأولية، حيث تمكن مؤشر S&P 500 من تسجيل مستويات قياسية جديدة رغم استمرار الحرب وارتفاع أسعار النفط.
وبحسب التقرير، يرى إيان بارنز، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة نتويلث، أن الأسواق كانت تتوقع انتقال الاقتصادات المستوردة للطاقة إلى بيئة أقرب إلى الركود التضخمي نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، إلا أن موجة التفاؤل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأرباح القوية للشركات الأمريكية ساهمت في دعم الأسهم.
وأشار بارنز إلى أن المكاسب تركزت بصورة رئيسية في الشركات الأمريكية والأسواق الآسيوية المستفيدة من الطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي، بينما بدت الأسهم الأوروبية أقل زخما بسبب تأثرها المباشر بارتفاع أسعار الطاقة.
آسيا المستفيد الأكبر من طفرة التكنولوجيا
من جانبه، أوضح توني ميدوز، رئيس الاستثمارات في شركة بي آر آي لإدارة الثروات، أن الإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي كشف عن اختناقات في سلاسل التوريد، خصوصا في قطاع أشباه الموصلات، ما أدى إلى ارتفاع أسهم الشركات العاملة في هذا المجال.
وأضاف أن اقتصادات مثل كوريا الجنوبية وتايوان استفادت من هذه الطفرة عبر تحسين توقعات النمو الاقتصادي، فيما ظلت الولايات المتحدة أقل عرضة لتأثيرات أزمة الطاقة مقارنة بالدول الأخرى، نظرا لاقترابها من الاكتفاء الذاتي النفطي.
السندات تحت ضغط التضخم والفائدة المرتفعة
وفي سوق الدخل الثابت، شهدت السندات الحكومية تقلبات ملحوظة منذ اندلاع الحرب.
وارتفعت عوائد السندات السيادية في العديد من الاقتصادات الكبرى مع إعادة تسعير مخاطر التضخم وتشديد السياسات النقدية.
وسجل العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاما أعلى مستوياته منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية، بينما تعرضت السندات البريطانية لضغوط بيعية قوية، بالتزامن مع التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها المملكة المتحدة.
ويرى نيل بيريل، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة بريمير ميتون إنفستورز، أن أسواق السندات تعكس مخاوف متزايدة بشأن استمرار التضخم وضعف النمو الاقتصادي واضطراب سلاسل الإمداد، محذرا من أن استمرار هذه الأوضاع لفترة طويلة قد يضغط على أسواق الأسهم مستقبلا.
مضيق هرمز يرفع المخاطر على أسواق الطاقة
وكان قطاع الطاقة من أكثر القطاعات تأثرا بالحرب، في ظل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لشحن النفط عالميا.
ورغم تراجع أسعار النفط عن ذروتها المسجلة خلال الأسابيع الأولى للحرب، فإنها لا تزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل الصراع.
ووفق التقرير، ترتفع العقود الآجلة لخام برنت بنحو 36% مقارنة بالفترة السابقة للحرب، بينما تزيد عقود خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنحو 50%.
وفي محاولة لتعويض النقص، اتجهت الدول المستوردة للنفط إلى البحث عن بدائل، ما ساهم في زيادة صادرات الخام الأميركي، إلى جانب استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية وتوسيع مسارات الشحن البديلة.
وأكد تاماس فارغا، المحلل في شركة بي في إم أويل أسوشيتس، أن هذه العوامل حدت من حدوث قفزات أكبر في الأسعار، لكنه حذر من أن استمرار تراجع المخزونات قد يدفع النفط إلى تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل إذا تصاعدت المنافسة على الإمدادات.
التضخم يعود إلى الواجهة
ومع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، بدأت المؤشرات الاقتصادية تكشف عن انعكاسات الحرب على حياة المستهلكين والشركات. فقد ارتفعت معدلات التضخم في عدد من الاقتصادات الكبرى نتيجة زيادة أسعار النفط والغاز ووقود الطائرات والبنزين.
وفي الولايات المتحدة، بلغ معدل التضخم السنوي 3.8% خلال أبريل، وهو أعلى مستوى يسجله منذ ما يقرب من ثلاث سنوات. كما اضطرت بعض الحكومات، من بينها ألمانيا والهند، إلى التدخل للحد من تأثير ارتفاع الأسعار على المواطنين والاقتصاد.
الأسواق تتعايش مع الحرب
ورغم استمرار الصراع، تبدو الأسواق العالمية أكثر قدرة على التعايش مع الأخبار المرتبطة بالحرب مقارنة ببداياتها. إلا أن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن استمرار الأزمة دون تسوية سياسية قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تباطؤ الطلب العالمي وإضعاف النمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، اعتبر بول سورغوي، المدير الإداري في شركة كينغسوود غروب، أن المستثمرين باتوا أقل حساسية تجاه التطورات الجيوسياسية مقارنة بالسابق، لكنه شدد على أن استمرار الحرب لفترة أطول سيجعل آثارها الاقتصادية أكثر وضوحا، خاصة في أسواق الطاقة والتضخم.
وبعد 100 يوم من الحرب، لا تزال الأسواق تراهن على إمكانية التوصل إلى مخرج دبلوماسي يخفف الضغوط عن الاقتصاد العالمي، إلا أن استمرار التوتر في واحدة من أهم مناطق إنتاج الطاقة في العالم يبقي حالة عدم اليقين مسيطرة على المشهد الاقتصادي الدولي.