رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ذكرى رحيله.. المشير الجمسي مهندس نصر أكتوبر وصاحب كشكول الحرب

المشير الجمسي
المشير الجمسي

في ذكرى رحيل المشير محمد عبد الغني الجمسي، تستعيد الذاكرة العسكرية المصرية واحدًا من أبرز القادة الذين ارتبط اسمهم ارتباطًا وثيقًا بحرب أكتوبر 1973، حيث يُعد الجمسي أحد أهم العقول التخطيطية التي شاركت في إعداد وإدارة تفاصيل الحرب، ولعب دورًا محوريًا في صياغة الرؤية العسكرية العامة التي سبقت العبور، كما ارتبط اسمه بالدراسة الشهيرة المعروفة باسم «كشكول الجمسي» التي أصبحت لاحقًا مرجعًا مهمًا في فهم آليات اتخاذ القرار العسكري خلال تلك المرحلة.

نشأة المشير الجمسي ومسيرته العسكرية

ولد المشير محمد عبد الغني الجمسي في 9 سبتمبر عام 1921 بمحافظة المنوفية، ونشأ في بيئة مصرية ريفية اتسمت بالبساطة والانضباط، وبرز منذ سنواته الأولى اهتمامه بالتعليم والانضباط السلوكي، وهو ما دفعه للالتحاق بالكلية الحربية، حيث تخرج عام 1939 ضمن سلاح المدرعات، ليبدأ بذلك مسيرته العسكرية في فترة تاريخية شديدة التعقيد شهدت اندلاع الحرب العالمية الثانية وما تبعها من تحولات سياسية وعسكرية كبرى أثرت في المنطقة بأكملها.

وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية، خدم الجمسي في الصحراء الغربية المصرية، حيث أتيحت له فرصة متابعة العمليات العسكرية بين قوات الحلفاء وقوات المحور عن قرب، وهو ما منحه خبرة ميدانية مبكرة أسهمت لاحقًا في تشكيل وعيه العسكري، خصوصًا فيما يتعلق بفهم طبيعة المعارك الحديثة وتحليل حركة القوات وتوازنات القوة في ميادين القتال.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، واصل الجمسي مسيرته داخل القوات المسلحة المصرية، حيث تنقل بين عدة مواقع عسكرية وإدارية، من بينها العمل في المخابرات الحربية والتدريس العسكري، إذ تخصص في تحليل التاريخ العسكري والدراسات المتعلقة بالجيش الإسرائيلي، من حيث التسليح والبنية التنظيمية والاستراتيجيات القتالية، وهو ما أكسبه خبرة واسعة في فهم طبيعة الخصم وتحليل نقاط القوة والضعف لديه.

كما التحق بعدد من الدورات العسكرية المتقدمة داخل مصر وخارجها، من أبرزها إجازة كلية القادة والأركان عام 1951، ثم أكاديمية ناصر العسكرية العليا عام 1966، وهو ما ساهم في ترسيخ مكانته داخل المؤسسة العسكرية كأحد أبرز المتخصصين في مجالات التخطيط وإدارة العمليات.

كشكول الجمسي وخطة حرب أكتوبر

ومع توليه رئاسة هيئة عمليات القوات المسلحة عام 1972، أصبح المشير الجمسي في موقع يسمح له بالمشاركة المباشرة في إعداد الخطط التفصيلية للحرب، حيث أشرف على إعداد مجموعة من الدراسات العسكرية الدقيقة التي تناولت الموقف الاستراتيجي للقوات المصرية والإسرائيلية، إلى جانب تحليل العوامل السياسية والعسكرية المحيطة، مع التنسيق الكامل مع القيادة السورية في إطار التحضير المشترك للعمليات.

وفي هذا السياق، جاءت الدراسة المعروفة باسم «كشكول الجمسي» بوصفها أحد أهم الأعمال التخطيطية التي أعدتها هيئة العمليات تحت إشرافه المباشر، حيث تضمنت تحليلًا شاملًا لعدد من السيناريوهات المحتملة، وتحديد أنسب التوقيتات لبدء العمليات الهجومية، مع مراعاة الظروف الميدانية والاعتبارات الجوية والعسكرية، وقد رُفعت هذه الدراسة إلى كل من القيادة السياسية في مصر وسوريا، ليتم اعتمادها كأساس لاختيار موعد بدء حرب أكتوبر في السادس من أكتوبر عام 1973.

استقالته بعد حرب 1967 وإعادة بناء الجيش

بعد هزيمة يونيو 1967، تقدم المشير الجمسي باستقالته من القوات المسلحة، إلا أن القيادة السياسية رفضت الاستقالة، وأسندت إليه مهامًا تتعلق بإعادة تنظيم وتدريب القوات المسلحة المصرية، في إطار خطة شاملة لإعادة بناء الجيش وتأهيله للمرحلة المقبلة، وهو ما وضعه في موقع مسؤولية مباشر عن تطوير القدرات القتالية والتدريبية خلال تلك الفترة الحساسة.

ومع تطور الأحداث، تولى رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة، ثم رئاسة هيئة عمليات القوات المسلحة، وهو المنصب الذي شغله عام 1972، ليصبح في قلب عملية إعادة الهيكلة العسكرية، والمشاركة في إعداد الجيش المصري للانتقال من مرحلة إعادة البناء إلى مرحلة التخطيط للعمليات العسكرية الكبرى.

دوره بعد حرب أكتوبر والمناصب القيادية

بعد انتصار أكتوبر 1973، لعب المشير الجمسي دورًا مهمًا في مرحلة ما بعد الحرب، حيث اختاره الرئيس الراحل أنور السادات لقيادة ملف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، نظرًا لما كان يتمتع به من خبرة عسكرية وقدرة على إدارة الملفات الحساسة، كما تمت ترقيته إلى رتبة الفريق أول، وتولى منصب وزير الحربية عام 1974، ثم عُين قائدًا عامًا للجبهات العربية الثلاث عام 1975، في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

الأوسمة والتكريم

وحصل المشير محمد عبد الغني الجمسي خلال مسيرته العسكرية على عدد كبير من الأوسمة والنياشين، من بينها وسام نجمة الشرف العسكرية ووسام التحرير، إلى جانب مجموعة من الأوسمة العربية والدولية التي مُنحت له تقديرًا لدوره في حرب أكتوبر وإسهاماته في تطوير الفكر العسكري والتخطيط الاستراتيجي داخل القوات المسلحة المصرية.

رحل المشير الجمسي في 7 يونيو 2003 عن عمر ناهز 82 عامًا، بعد مسيرة عسكرية طويلة وحافلة امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا كبيرًا في مجالات التخطيط العسكري وإدارة العمليات، وظل اسمه مرتبطًا بأحد أهم الانتصارات في التاريخ العسكري المصري الحديث، باعتباره أحد أبرز العقول التي أسهمت في صناعة قرار حرب أكتوبر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء