"تكساس كندا" تطرق أبواب واشنطن.. هل تقترب مقاطعة ألبيرتا من الانفصال؟
محادثات سرية بين البيت الأبيض وانفصاليي ألبيرتا.. هل تقترب المقاطعة الكندية من واشنطن؟
عادت مقاطعة ألبيرتا الكندية إلى واجهة الجدل السياسي في كندا، بعدما كشفت تقارير إعلامية عن اتصالات غير معلنة بين قادة جماعات انفصالية ومسؤولين أمريكيين لبحث مستقبل المقاطعة الغنية بالنفط.
وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه العلاقات بين واشنطن وأوتاوا توترات متزايدة، وسط تجدد الحديث عن استقلال ألبيرتا وإمكانية توثيق ارتباطها بالولايات المتحدة.
الحركة الانفصالية تستعد لمرحلة جديدة
ذكرت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية أن الجماعات الانفصالية تسعى إلى تعزيز التقارب مع واشنطن والابتعاد عن أوتاوا، في المقاطعة التي تعد معقلا للمحافظين وتقع على الحدود مع ولاية مونتانا الأمريكية.
ومن المقرر أن تصوت ألبيرتا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 5 ملايين نسمة، في أكتوبر المقبل على ما إذا كانت ستبدأ العملية التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى استفتاء على الاستقلال.
ويطلق البعض على هذه الحركة اسم "ويكزيت" (Wexit)، أي "الخروج الغربي"، بينما يفضل آخرون وصفا أكثر مباشرة يتمثل في تحويل المقاطعة إلى الولاية الأميركية رقم 51.
لقاءات غير معلنة مع مسؤولين أمريكيين
وأوضحت الصحيفة أن قادة الحركة الانفصالية في ألبيرتا أجروا محادثات سرية مع مسؤولي البيت الأبيض بشأن إمكانية استخدام ألبيرتا المستقلة للدولار الأمريكي، وإبرام صفقات في مجال الطاقة، والانفصال عن أوتاوا بشكل نهائي.
ونقلت الصحيفة عن أندرو لاثام، الباحث في معهد "ديفينس برايوريتيز" للأبحاث في واشنطن، قوله إن فكرة اتحاد مستقبلي بين الولايات المتحدة وألبيرتا لم تعد أمرا مستحيلا.
وأضاف أن المقاطعة تمتلك النفط والغاز والبوتاس، إلى جانب كميات كبيرة من المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، معتبرا أن انضمامها إلى الولايات المتحدة سيمثل مكسبا كبيرا، كما أنها قد تصوت بصورة مستمرة لصالح الحزب الجمهوري.
وأشار لاثام إلى أن ألبيرتا، وهي واحدة من ثلاث مقاطعات كندية فقط ذات توجه يميني، تعرف منذ فترة طويلة باسم "تكساس كندا" بسبب ثقافة رعاة البقر والمسيحيين المحافظين واعتمادها على قطاعي النفط والغاز. ولفت إلى أن تحولها إلى ولاية أمريكية قد يمنح الجمهوريين أفضلية انتخابية في السباقات المتقاربة، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية.
استطلاعات الرأي لا تدعم الانفصال
ورغم تنامي النشاط الانفصالي، تشير استطلاعات الرأي إلى أن أغلبية سكان ألبيرتا لا تزال تعارض الاستقلال.
وأظهر استطلاع حديث أن 35% فقط من الناخبين يؤيدون بدء عملية الانفصال، مقابل 60% يعارضونها.
وتضم المقاطعة معظم احتياطيات الثروة الكندية، وظلت لعقود من أبرز الممولين للحكومة الفيدرالية. وبين عامي 2007 و2022، سددت ألبيرتا ضرائب فيدرالية تجاوزت ما تلقته من إنفاق حكومي بنحو 244.6 مليار دولار، وهو ما اعتبره كثيرون تحويلا ضخما للثروة وأسهم في تعزيز الشعور بالظلم لدى شريحة من سكانها.
مطالب بالدعم المالي واعتماد الدولار الأمريكي
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن قادة "مشروع ازدهار ألبيرتا" (APP)، وهي جماعة انفصالية، عقدوا ثلاثة اجتماعات مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن منذ أبريل 2025.
وبحسب التقرير، طلب هؤلاء القادة تسهيلا ائتمانيا بقيمة 500 مليار دولار لتمويل المقاطعة في حال الموافقة على استفتاء الاستقلال، كما ناقشوا اعتماد الدولار الأميركي وتوسيع التعاون في قطاع الطاقة.
وقال جيف راث، محامي المشروع وأحد المشاركين في الاجتماعات، إن واشنطن "متحمسة للغاية لفكرة وجود ألبيرتا حرة ومستقلة"، مشيرا إلى أن علاقته بإدارة ترامب أقوى بكثير من علاقته برئيس الوزراء الكندي مارك كارني.
مؤشرات أمريكية تعزز طموحات الانفصاليين
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسينت قد أثار اهتمام الأوساط الانفصالية في يناير الماضي عندما وصف ألبيرتا بأنها "شريك طبيعي للولايات المتحدة" وتتمتع بـ"شعب مستقل للغاية".
ومن المقرر أن يصوت سكان المقاطعة في 19 أكتوبر على مجموعة من الإصلاحات، ورغم أن الاستقلال الكامل ليس مطروحا بعد على بطاقات الاقتراع، فإن الحركة الداعمة له تواصل اكتساب الزخم، بعدما جمعت عريضة انفصالية أكثر من 300 ألف توقيع، متجاوزة الحد الأدنى المطلوب لبحث طرح سؤال الاستفتاء.
الخلافات الأمريكية الكندية
وتتزامن هذه الاتصالات مع تدهور العلاقات بين واشنطن وأوتاوا، إذ تصادم ترامب وكارني مرارا بشأن الرسوم الجمركية وتصريحات الرئيس الأمريكي المتعلقة بضم كندا باعتبارها الولاية الأميركية رقم 51.
وعارض كارني بشدة الحركة الانفصالية، واصفا مساعي ألبيرتا للاستقلال بأنها "خدعة خطيرة"، كما شبهها باستفتاء "بريكست" الذي شهدته بريطانيا عام 2016 وما ترتب عليه من تداعيات.
وفي المقابل، ورغم تمسك رئيسة وزراء ألبيرتا دانييل سميث ببقاء المقاطعة داخل الاتحاد الفيدرالي، فإنها تبنت بعض الانتقادات الموجهة إلى الحكومة المركزية. ففي خطاب متلفز ألقته في 5 مايو، تحدثت عن "إحباط عميق" من الطريقة التي عوملت بها المقاطعة وتأثرت بسبب الحكومات الفيدرالية الليبرالية المتعاقبة.
كما تشير دراسات إلى أن القوانين البيئية الفيدرالية وسياسات الانبعاثات والقيود المفروضة على تطوير قطاع الطاقة خلال العقود الخمسة الماضية كلفت سكان ألبيرتا خسائر كبيرة في دخولهم السنوية.
هل يهدد الاستفتاء وحدة كندا؟
وبات الاستفتاء المحتمل أحد أخطر التهديدات التي تواجه وحدة كندا منذ استفتاءات سيادة كيبك عامي 1980 و1995.
وقال كريستوفر ساندز، مدير مركز الدراسات الأمريكية -الكندية في جامعة جونز هوبكنز، إن الحجج التي يطرحها الانفصاليون تستند إلى اعتبارات اقتصادية حقيقية، موضحا أن التقارب مع الولايات المتحدة، الداعمة لقطاع الطاقة، قد يمنح المقاطعة مساحة أكبر لتطوير موارد الوقود الأحفوري وتوسيع بنيتها التحتية والوصول إلى الأسواق العالمية.
وأضاف أن المؤيدين لاستقلال ألبيرتا قد يجدون في مواقف الإدارة الأمريكية الحالية مؤشرات تدفعهم للاعتقاد بأن واشنطن قد ترحب بانضمام المقاطعة مستقبلا.
إلا أن ساندز اعتبر أن اهتمام واشنطن يرتبط في المقام الأول بأوراق الضغط السياسية أكثر من إعادة رسم الحدود، مشيرا إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى استغلال الانقسامات الداخلية الكندية للضغط على أوتاوا في الملفات التجارية والدبلوماسية.
كما رأى أن تسريب أنباء هذه المحادثات الخاصة قد يكون جزءا من محاولة لإبقاء الحكومة الكندية في حالة من عدم اليقين خلال المفاوضات الجارية.
عقبات تعرقل سيناريو الانفصال
ويرى أندرو لاثام أن السيناريو الأكثر ترجيحا، حتى في حال نجاح التصويت الانفصالي، يتمثل في التوصل إلى صيغة أكثر لامركزية داخل الاتحاد الكندي، بدلا من قيام دولة مستقلة أو انضمام ألبيرتا إلى الولايات المتحدة.
ومع ذلك، تواجه فكرة الانفصال تحديات كبيرة، إذ إن ألبيرتا مقاطعة حبيسة لا تطل على أي بحار وتعتمد على بنية تحتية تمر عبر مقاطعات أخرى، فضلا عن تعقيدات تتعلق بالقضايا الدستورية وحقوق السكان الأصليين والديون والحدود.
كما أن الدستور الكندي لا يسمح بالانفصال من جانب واحد، وحتى إذا صوت سكان المقاطعة لصالح الاستقلال، فإن الانضمام إلى الولايات المتحدة سيتطلب موافقة الكونجرس الأميركي، وهو ما يمثل عقبة سياسية كبيرة.
وحذر لاثام من أن الصدمات السياسية كثيرا ما تنشأ من حركات تقلل النخب من شأنها في مراحلها الأولى، مشيرا إلى أن تصويتا احتجاجيا يهدف إلى توجيه رسالة لأوتاوا قد يقود في النهاية إلى نتائج لم تكن متوقعة أو مخططا لها.