رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رونالد نوريش مؤسس الكيمياء الضوئية الحديثة ومكتشف تفاعل نوريش

رونالد نوريش
رونالد نوريش

يحل اليوم ذكرى ميلاد العالم البريطاني رونالد جورج وريفورد نوريش، أحد أبرز الأسماء في تاريخ الكيمياء الفيزيائية والكيمياء الضوئية خلال القرن العشرين، والذي ارتبط اسمه بإحداث نقلة علمية حقيقية في فهم التفاعلات الكيميائية فائقة السرعة، وبالتحديد تلك التي تحدث تحت تأثير الضوء، وقد شكلت أبحاثه أساسًا علميًا مهمًا لتطور هذا الفرع من الكيمياء، كما ارتبط اسمه بما يعرف بـ“تفاعل نوريش”، إضافة إلى حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1967، وهو ما رسّخ مكانته كأحد أعمدة البحث العلمي الحديث في مجاله.

النشأة والبدايات العلمية

ولد رونالد جورج وريفورد نوريش في 9 نوفمبر 1897 بمدينة كامبريدج في إنجلترا، وهي المدينة التي عرفت تاريخيًا بأنها واحدة من أهم المراكز العلمية والأكاديمية في العالم، الأمر الذي ساهم في تشكيل بيئة فكرية مبكرة أثّرت على اهتمامه بالعلوم الطبيعية، وقد نشأ في بيئة تعليمية ساعدته على تطوير فضوله العلمي منذ الصغر، حيث أظهر ميلًا واضحًا نحو الكيمياء والرياضيات، قبل أن يتجه بشكل رسمي إلى دراسة الكيمياء في جامعة كامبريدج، وتحديدًا في كلية إيمانويل، حيث تلقى تعليمًا أكاديميًا صارمًا أسس لرحلته العلمية لاحقًا. وبعد سنوات من الدراسة والبحث، حصل على درجة الدكتوراه عام 1925، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من حياته المهنية داخل الأوساط الأكاديمية والبحثية.

المسار الأكاديمي وتطور الأبحاث

بدأ نوريش مسيرته العلمية بالتركيز على دراسة التفاعلات الكيميائية من منظور تقليدي يعتمد على تحليل النتائج النهائية للتفاعل، إلا أنه سرعان ما انتقل إلى مرحلة أكثر تقدمًا في البحث العلمي، حين بدأ يهتم بدراسة التفاعلات السريعة جدًا التي تحدث في أجزاء من الثانية، وهي تفاعلات لم تكن مفهومة بشكل دقيق في ذلك الوقت بسبب محدودية الأدوات العلمية، ومع تطور أبحاثه، اتجه نوريش إلى تطوير منهجيات جديدة تسمح برصد التغيرات الكيميائية أثناء حدوثها، وليس فقط بعد اكتمالها، وهو ما مثّل تحولًا جذريًا في طريقة دراسة الكيمياء الفيزيائية، وجعله واحدًا من أبرز العلماء الذين أسهموا في تأسيس هذا الاتجاه العلمي الحديث.

تطوير الكيمياء الضوئية وتفاعل نوريش

يعد رونالد نوريش من أبرز المؤسسين لعلم الكيمياء الضوئية الحديثة، وهو الفرع الذي يدرس تأثير الضوء على المواد والتفاعلات الكيميائية الناتجة عنه، حيث ركّزت أبحاثه على كيفية امتصاص الجزيئات للطاقة الضوئية وتغير سلوكها البنيوي نتيجة لذلك، ومن أهم إسهاماته العلمية ما يُعرف بـ“تفاعل نوريش”، وهو تفاعل كيميائي عضوي يحدث عند تعرض بعض المركبات للضوء، وينتج عنه انقسام أو إعادة ترتيب للجزيئات بطريقة محددة، وقد أصبح هذا التفاعل أحد النماذج الأساسية المستخدمة في دراسة آليات التفاعل الضوئي داخل الكيمياء العضوية والفيزيائية، كما ساعد بشكل كبير في فهم طبيعة الروابط الكيميائية وسلوكها تحت تأثير الطاقة الضوئية، وهو ما فتح المجال لتطبيقات واسعة لاحقًا في مجالات متعددة.

التحلل الضوئي الوميضي 

حقق نوريش أحد أهم إنجازاته العلمية بالتعاون مع تلميذه جورج بورتر، حيث قاما معًا بتطوير تقنية “التحلل الضوئي الوميضي”، وهي تقنية تعتمد على استخدام نبضات ضوئية قصيرة جدًا ومكثفة بهدف دراسة التفاعلات الكيميائية أثناء حدوثها الفعلي في الزمن الحقيقي، وقد مثل هذا الابتكار ثورة في مجال الكيمياء الفيزيائية، لأنه مكّن العلماء لأول مرة من تتبع المراحل الوسيطة للتفاعل الكيميائي، وهي مراحل كانت غير مرئية سابقًا بسبب سرعتها الشديدة. وبفضل هذه التقنية، أصبح بالإمكان فهم آليات التفاعل الكيميائي بشكل أكثر دقة وعمقًا، الأمر الذي انعكس على تطور العديد من التطبيقات العلمية والصناعية لاحقًا، وجعل هذا الاكتشاف أحد الأعمدة الأساسية في دراسة الكيمياء الحديثة.

جائزة نوبل في الكيمياء

في عام 1967، نال رونالد نوريش جائزة نوبل في الكيمياء مناصفة مع كل من جورج بورتر والعالم مانفرد أيجن، تقديرًا لإسهاماتهم الرائدة في دراسة التفاعلات الكيميائية السريعة باستخدام أساليب وتقنيات مبتكرة سمحت بفهم طبيعة هذه التفاعلات على مستوى زمني دقيق للغاية، وقد جاء هذا التكريم تتويجًا لمسيرة علمية طويلة من البحث والتطوير، حيث اعتبر عمله نقلة نوعية في الكيمياء الفيزيائية، ليس فقط من حيث النتائج، ولكن من حيث المنهج العلمي نفسه، الذي غير طريقة تعامل العلماء مع دراسة التفاعلات الكيميائية المعقدة.

الحياة الأكاديمية والمناصب العلمية

شغل نوريش منصب أستاذ الكيمياء الفيزيائية ورئيس قسم الكيمياء في جامعة كامبريدج، حيث كان له دور بارز في تطوير المناهج العلمية والإشراف على عدد كبير من الأبحاث والدراسات التي ساهمت في تخريج أجيال جديدة من العلماء والباحثين، وقد تميز خلال مسيرته الأكاديمية بقدرته على الجمع بين البحث العلمي والتدريس، مما جعله أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في الوسط الأكاديمي البريطاني، وظل نشطًا علميًا حتى بعد تقاعده الرسمي عام 1965، حيث استمر في متابعة الأبحاث والمشاركة في تطوير النقاشات العلمية داخل مجاله حتى سنواته الأخيرة.

الوفاة

توفي رونالد جورج وريفورد نوريش في 7 يونيو 1978 عن عمر ناهز 80 عامًا، إلا أن إرثه العلمي ظل حاضرًا بقوة في مجال الكيمياء حتى اليوم، حيث لا تزال أبحاثه تستخدم كأساس لفهم العديد من التفاعلات الكيميائية الضوئية والسريعة، وقد أسهمت أعماله في تأسيس مدرسة علمية كاملة داخل الكيمياء الفيزيائية، تعتمد على دراسة التفاعلات في أزمنة قصيرة جدًا وتحليل سلوك الجزيئات تحت تأثير الضوء، وهو ما جعله أحد العلماء الذين غيّروا شكل هذا العلم بشكل جذري، وجعلوا اسمه مرتبطًا بالتحول من الكيمياء الوصفية إلى الكيمياء الزمنية الدقيقة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء