هدى العجيمي في متون مصطفى عبدالله المضيئة من «علوي» إلى «ماسبيرو»
كان أسعد خبر تلقته الإذاعية الكبيرة هدى العجيمي قبل رحيلها هو هذا الفصل الذي كتبه عنها الكاتب الصحفي الكبير مصطفى عبدالله في كتابه الضخم "متون مضيئة" الذي يختص "إيجبتك" بنشر هذا الفصل في ذكرى رحيلها؛ وفيه يقول: لهدى العجيمي قصة لا يمكن أن تنمحي من ذاكرة أغلب المبدعين المصريين الذين وُهِبوا الحياة مع ثورة يوليو 1952، وبدأوا أولى خطواتهم في البحث عمن يتلقى ما كتبوه من قصص أو شعر أو مسرحيات أو روايات منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين.
فقد كان برنامجها الإذاعي "مع الأدباء الشبان" الذي تبثه "إذاعة البرنامج العام" من القاهرة بمثابة الأكاديمية النقدية التي تعطي صكوك الاعتراف بالأدباء، أو تستخرج لهم جوازات المرور إلى الساحة الأدبية والنقدية، لأنها تمتلك وعيًا ثقافيًا يمكِّنها من التمييز بين القيمة الأصيلة للمبدعين من عدمها، فضلًا عن قدرتها على الاستعانة بثلة من كبار نقاد مصر ليصدروا أحكامهم على الهواء في حق تلك البراعم الخضراء الغضة التي تبحث عن توجيه أو تنتظر كلمة تشجيع تُمكِّنها من الاستمرار على درب الإبداع الأدبي.
وأنا لم أكن أتابعها عبر الأثير فحسب، وإنما كنت أحد النقاد الذين تدعوهم لإبداء الرأي فيما يصلها من نصوص من مختلف نجوع مصر وكفورها.
ولذلك، فهي عندما فكرت في نشر صفحات من سيرتها الإذاعية في كتاب تبوح فيه بالكثير من ذكرياتها والمواقف التي مرت بها منذ كانت بعد شابة قُدِّر عليها أن تترك أهلها في مدينة بورسعيد الباسلة قاصدة القاهرة لتدرس في جامعتها ثم تنضم إلى أعرق الإذاعات العربية في ذلك الوقت، هاتفتني لتزف إليَّ اعتزامها نشر سيرتها في كتاب، فباركت لها وتطوعت بأن أعرض عليها أن ترسل لي مسودته لأطلعها على رأيي كما تعودت أن أفعل مع كثير من أصدقائي الأدباء والنقاد، ولا سيما عندما يبدعون أعمالًا سردية، ولعل بعضهم بدأوا يقرأون عليّ نصوصهم، أو يرسلونها لي مسجلة بأصواتهم لأستمع إليها وأرد عليهم بمقترحاتي التي غالبًا ما تقابل بالموافقة والامتنان.
وأذكر أن صديقتي هدى العجيمي، بعد أن سألتها عن العنوان الذي اختارته لسيرتها وأجابتني بأنه "قصة عشق"، لم تتقبل ملاحظتي بأن "قصة عشق" إنما هو عنوان أنسب لرواية رومانسية منه إلى سيرة إذاعية كبيرة مثلها، فقلت لها إنه من الأنسب أن يشير العنوان إلى طبيعة تجربتها المتفردة على أثير الإذاعة المصرية خلف الميكروفون، سواء في ماسبيرو أو في مقار الإذاعة الأقدم في "شارع علوي" أو "شارع الشريفين".
وأذكر أنها لم ترحب بمقترحي وتمسكت بعنوانها، فاحترمت رغبتها، وانتهت المكالمة ومرت شهور، وصدرت سيرتها بالعنوان ذاته "قصة عشق"، وعندما رأيت الغلاف لاحظت أن ناشر الكتاب السيد حسن وهو أيضًا إذاعي معروف، تفهم ما رميت إليه، فصمم الغلاف لتبدو هدى العجيمي واقفة أمام مبنى ماسبيرو الشهير وفوقها العنوان "قصة عشق" لتكمل الصورة المعنى المنشود، فسعدت بذلك كثيرًا.
ومؤخرًا تلقيت من هدى العجيمي نسخة من سيرتها، وبدأت أتصفحها فإذا بي أمام جزء من تاريخ الإذاعة المصرية، بل والإعلام العربي المسموع منذ ستينيات القرن الفائت إلى وقت قريب.
في مفتتح سيرتها تقول: أعترف بأن دافعي الأول لتدوين هذه الذكريات إنما هو رغبتي في رد شيء من الجميل وتجديد مشاعر المحبة إلى الأم الروحية التي احتضنتني مع بداية التحاقي بالإذاعة فتعلمت منها فنون الراديو، ولم تبخل عليَّ بالدعم، بل والترحيب بكل ما قدمته من أفكار للبرامج.
لهذا فأنا أهدي هذا الكتاب إلى روحها الطيبة.. إلى الإذاعية الرائدة السيدة "صفية المهندس".
كذلك تهدي كتابها إلى شريك حياتها "جمال رسمي" الذي تفهم طبيعة عملها الإذاعي الشاق، وأعانها على النجاح فيه.
وسرعان ما تأخذنا إلى بداية المشوار فتقول: بمجرد أن انتهت إجراءات تسلمي العمل بالإذاعة، ونفضت عن نفسي متاعب الامتحانات المرهقة، حتى بدأت أتابع إجراءات توزيع الناجحين على أقسام الإذاعة المختلفة. وبما أن الناجح منا أصبح يحمل لقب "مذيع"، الصفة الأعلى في القيمة الإذاعية في ذلك الوقت، وكان عدد من أفراد دفعتي قد تسلموا عملهم في استوديو الهواء، أو في قسم المذيعين وقراء نشرات الأخبار، لكونهم من أصحاب الأصوات الواثقة العريضة، وكلهم كانوا من الرجال، وبما أنني الفتاة الوحيدة في هذه الدفعة، فقد التقى بي عبد الحميد الحديدي، رئيس الإذاعة حينئذ، وجلال معوض، كبير المذيعين وأشهرهم، لإبلاغي بترشيحي للعمل بقسم المنوعات بالبرنامج العام المعروف بإنه الإذاعة الرسمية لمصر، الذي شعاره "هنا القاهرة".
لكنني لم أستقبل ترشيحهما بارتياح، إذ كنت أتمنى لو عملت مع زملائي في أهم أقسام الإذاعة في ذلك الوقت "منتصف الستينيات من القرن العشرين"، لأقرأ نشرات الأخبار والتعليقات السياسية، وسرعان ما أدرك جلال معوض ما يدور في ذهني، فربت على كتفي بحنان أبوي وبادر بطمأنتي قائلًا: أنتِ تستمعين إلى الإذاعة.. أليس كذلك؟ فهل لديكِ شك في أن آمال فهمي هي أشهر مذيعة على الإطلاق؟ ألا تعرفين أنها مقدمة برامج في قسم المنوعات الذي اخترناه لكِ؟
ثم طلب مني رئيس الإذاعة التوجه إلى مكتب السيدة صفية المهندس، مديرة برامج المنوعات ومقدمة برنامج "إلى ربات البيوت"، وقال: ستجري معك حوارًا، ولربما تقبلك بعده كمقدمة برامج منوعات إذا وجدتك مناسبه لتلك النوعية من البرامج المحببة للمستمعين.
فذهبت.. ولكن لم تكن نفسي صافية تمامًا أو متقبلة لهذا التصنيف الذي اختاره لي رئيس الإذاعة وكبير المذيعين؛ لأنني حتى ذلك الوقت لم أكن أدرك أن الصوت خلقه الله بصمة تميز كل واحد منا، وهي التي تحدد شخصية صاحبها، وفي مجال الإذاعة هي التي تشكل مستقبله.
إن كل الذي أعرفه أنني نجحت في امتحان الإذاعة، ووجدت قبولًا من لجنة الاختبار الشخصي في المقابلة التي لم تخل من طرافة، تلك التي أظل أتذكرها إلى اليوم لأتأكد أن القدر يلعب دورًا مؤثرًا في حياة الإنسان.
وتستطرد العجيمي: كنت قد توجهت إلى أحد استوديوهات الإذاعة الذي اتخذت منه لجنة الاختبار الشخصي مقرًا لها لتجري المقابلات مع المتقدمين للعمل كمذيعين بعد التصفية الكبرى في الامتحان التحريري، وعندما جلست مع زملائي خارج هذا الاستديو أصابني الرعب وامتلأت خوفًا من أعضاء اللجنة فقد تناهي إلى سمعي ما أفزعني عن نوعية الأسئلة التي يوجهونها للمتقدمين، فقد كان معظمها إما صعب أو مغرق في الغرابة؛ كأن يسأل الأستاذ عبد الحميد الحديدي في الجغرافيا، أو عن شوارع القاهرة وحواريها!
وكان هذا هو الشيء المرعب بالنسبة لي كمغتربة جاءت من بورسعيد منذ سنوات قليلة للدراسة الجامعية. ولم تتجول في شوارع القاهرة كي تعرفها.
وتستطرد: لعل كل ما كنت أجيده هو التنقل من بيت الطالبات في الدقي إلى كلية الآداب بجامعة القاهرة القريبة جدًا من محل إقامتي.
ولذلك فعندما نودي على اسمي لدخول مقر اللجنة كنت وجلة متوترة أستعد للرسوب إذا ما سألني عبد الحميد الحديدي كيف أصل إلى "ميدان الفلكي" مثلا، لكن عناية الله صاحبتني بابتسامتي الطفولية.
وكان بين أعضاء اللجنة: "محمد محمود شعبان" المشهور بـ "بابا شارو"، وطه نصر كبير مهندسي الإذاعة، والدكتور مهدي علَّام أحد أساطين اللغة الذي سألني عن اسمي، فما أن أجبته: "هدى" حتى بادرني بالسؤال الأهم الذي كان لب الامتحان، فقال: اسمك هدي؟ فهل تعرفين من هي "الست هدى"؟
فأجبته بلا تفكير: نعم.. نعم.. أعرفها إنها مسرحية لأمير الشعراء أحمد شوقي.
فكانت الست هدى هي منقذتي بعد أن تكلمت عن كافة الأفكار التي نهضت عليها هذه المسرحية. وجعلتنيالإجابة أزداد ثقة بنفسي، فقرأت أمام الميكروفون فقرة بلغة عربية سليمة، ثم مقطوعة بالإنجليزية، وترجمتها فوريًا إلى العربية.
وهو ما أدى إلى قبولي للعمل الإذاعي.. وكنت فتاة وحيدة ضمن عشرين شابًا.
تضيف: تذكرت هذا المشهد وأنا في طريقي إلى المجهول، إلى مكتب السيدة صفية المهندس التي أثبتت الأيام أنها كانت خير معين لي في عملي الإذاعي.
ويستمر عمل هدى في إدارة المنوعات التي كانت "عواطف البدري" هي الشخصية الثانية فيها بعد صفية المهندس وكانت برامجها ذات شهرة كبيرة، ومنها "طبيب العيلة".
وتفرد بعض صفحات سيرتها للحديث عن صديقتها الإذاعية "سميرة الديب" التي اختارتها زوجة لشقيقها الأصغر الدكتور محمد. ويتسع المكان لتستدعي ذكرياتها مع"سامية صادق" وتعتبرها من أجمل وأرق الأصوات الإذاعية التي أضفى ذكاؤها وطموحها وذائقتها السمعية الرفيعة جمالًا على صوتها مما جعل برامجها الأكثر جاذبية لدى المستمعين.
وتقول:عندما التحقت بإدارة المنوعات كانت هي مسؤولة عن الموسيقى والغناء، ثم عينت مديرًا عامًا لبرامج المنوعات فأصبحت تحت رئاستها. وأعترف بأنها أتاحت لي الفرصة لتقديم العديد من الرامج الناجحة لأنها كانت تتلقى مني الفكرة لتتأملها وتضيف إليها وتبلورها كي تستحق التنفيذ والإذاعة، ولها يرجع الفضل في تشجيعي على تنفيذ أهم فكرتين لبرنامجين نجحت في تقديمهما: "الناس والصيف"، و"مشوار حياتي".
وقد نشأت بيني وبينها علاقة ود ومحبة تستند إلى إعجابي بذكائها وحماسها في الإدارة وطموحها الذي أوصلها لأن تصبح رئيسًا للتليفزيون المصري، ومسؤولة عن الكثير من برامج فضائية ART التي أسسها الشيخ صالح كامل، كما أشرفت على عدد من الخدمات الإذاعية التي استحدثتها هذه الفضائية، وقد تعاونت معها في هذا العمل، أنا وزميلي الإذاعي الكبير "مأمون النجار".
وتحفل سيرة هدى العجيمي ومشوار حياتها بكثير من أسرار العمل الإذاعي على امتداد أكثر من نصف قرن، لكنها تشي بأن خجلها وهدوءها تسببا في ضياع كثير من الفرص لتولي مناصب قيادية.