رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يُعد مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" واحدًا من الأعمال الدرامية المصرية التي حملت العديد من الرسائل الإنسانية والاجتماعية العميقة، والتي ما زالت حاضرة في وجدان المشاهدين رغم مرور السنوات... ومن بين هذه الرسائل، أتوقف عند شخصية المعلم إبراهيم سردينة، التي جسدها الفنان الكبير الراحل عبد الرحمن أبو زهرة، باعتبارها نموذجًا مختلفًا للرجل الصالح في الدراما المصرية.

قدمت الدراما في كثير من الأحيان صورة نمطية للرجل الصالح، بوصفه شخصًا منعزلًا عن الحياة، يرتدي ملابس بسيطة ويتحدث بكلمات غامضة توحي بالزهد أو التصوف؛ لكن شخصية إبراهيم سردينة جاءت على النقيض من ذلك تمامًا؛ فقد كان رجلًا عمليًا، ينظر إلى الحياة بعين العقل والحكمة، ويدرك متطلبات الدنيا دون أن ينسى نصيبه من الآخرة.

لقد نجح المسلسل في تقديم مفهوم جديد للرجل الصالح، الإنسان الذي يعمل ويجتهد ويحقق النجاح، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على نقاء القلب وصفاء النفس، ويقف إلى جانب الحق، ويمد يد العون لكل من يحتاج إليه، ولم يكن صلاح إبراهيم سردينة قائمًا على الشعارات أو المظاهر، بل على السلوك والمواقف والأفعال.

وفي المقابل، قدم العمل شخصية الريس مرسي، التي أداها الفنان الراحل خليل مرسي، باعتبارها الوجه الآخر في المعادلة، أو ما يمكن وصفه بـ"الشيطان" الذي يحاول دائمًا إيجاد منفذ للتأثير في الآخرين.. والمثير أن العمل جمع الشخصيتين مرارًا في مشاهد واحدة، وكأنها مواجهة دائمة بين الخير والشر، بين الحكمة والهوى، وعلى  الرغم من  محاولات إبراهيم سردينة المتكررة لإصلاح الريس مرسي، فإن الأخير ظل أسيرًا لطبيعته واختياراته.

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في المسلسل قوة السيناريو والحوار اللذين كتبهما مصطفى محرم، مستندًا إلى قصة قصيرة للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، فقد استطاع أن يمنح كل شخصية دورًا مؤثرًا، حتى الشخصيات الثانوية بدت ضرورية ومتكاملة داخل البناء الدرامي، وهو ما أسهم في نجاح العمل واستمراره في ذاكرة الجمهور.

كما نجح المسلسل في تقديم نماذج إنسانية نتمنى وجودها في الواقع، وعلى رأسها شخصية إبراهيم سردينة التي مثلت الحكمة والخير والوفاء، في مقابل نموذج الريس مرسي الذي جسد الجانب المظلم من النفس البشرية.

ويبقى عبد الرحمن أبو زهرة واحدًا من كبار الفنانين الذين تركوا بصمة لا تنسى في تاريخ الفن المصري، فقد أبدع في تقديم شخصيات متنوعة ومركبة، سواء في الدراما الاجتماعية أو التاريخية أو السينمائية، ليؤكد دائمًا أنه فنان استثنائي يصعب تكراره.

وفي المقال القادم، نتوقف عند شخصية عبد الغفور البرعي، ومحاولة قراءة أبعادها الفلسفية والاجتماعية في سياق الواقع العربي المعاصر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء