في مثل هذا اليوم.. رحيل المفكر والسياسي «مكرم عبيد باشا»
في مثل هذا اليوم، 5 يونيو من عام 1961، توفي السياسي البارز مكرم عبيد باشا، أحد أبرز رموز الحياة السياسية والفكرية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، ووزير المالية الأسبق، وأحد أعمدة حزب الوفد وصاحب حضور سياسي وفكري لافت امتد لعقود.
من هو مكرم عبيد؟
وُلد مكرم عبيد في 25 أكتوبر عام 1889 بمحافظة قنا، في أسرة قبطية معروفة بالثراء والمكانة الاجتماعية. تلقى تعليمه الأولي في مصر قبل أن يتجه إلى جامعة أكسفورد في بريطانيا، حيث درس القانون، وحصل عام 1912 على ما يعادل درجة الدكتوراه، ليعود بعدها إلى مصر حاملاً خلفية قانونية وفكرية متميزة مهدت لانخراطه المبكر في العمل العام.
بدأت مسيرته الوظيفية في عام 1913 عندما عمل سكرتيراً للوقائع المصرية، ثم تولى منصب السكرتير الخاص لكل المستشارين الإنجليز في مصر خلال الحرب العالمية الأولى، إلا أن مساره تغيّر بعد أن كتب رسالة اعترض فيها على سياسات المستشار البريطاني “برونيات”، موضحاً مطالب الأمة المصرية وحقوقها، وهو ما أدى إلى إنهاء خدمته في هذا المنصب. لاحقاً، عمل أستاذاً بكلية الحقوق لمدة عامين، قبل أن يتجه بشكل أعمق نحو العمل الوطني والسياسي.
تصاعد الحركة الوطنية
ومع تصاعد الحركة الوطنية، انضم مكرم عبيد إلى حزب الوفد عام 1919، ولعب دوراً بارزاً في الترجمة والدعاية السياسية في الخارج ضد الاحتلال البريطاني، حيث نشط في إنجلترا وفرنسا وألمانيا، وكان من الأصوات التي ساهمت في نقل القضية المصرية إلى الرأي العام الأوروبي. وقد أطلقت عليه الصحافة الوفدية لقب “الخطيب المفوه” تقديراً لبلاغته وقوة خطابه. كما تعرض للاعتقال والنفي في أعقاب نشاطه السياسي، خاصة بعد خطبه ومقالاته التي هاجمت الاحتلال عقب نفي سعد زغلول.
ارتبط مكرم عبيد ارتباطاً وثيقاً بزعماء الوفد، وعلى رأسهم سعد زغلول باشا، وعقب وفاته أصبح مكرم سكرتيراً عاماً للحزب، ليصعد نجمه داخل التنظيم السياسي الأهم في مصر آنذاك. وفي عام 1928، ومع تشكيل حكومة النحاس باشا، تولى وزارة المواصلات، قبل أن يُعين لاحقاً وزيراً للمالية بعد معاهدة 1936، وهو المنصب الذي ارتبط باسمه بقوة، ومنحه لقب الباشوية. كما شارك في عدة حكومات لاحقة في الأربعينيات، من بينها حكومات أحمد ماهر والنقراشي عام 1946.
خلافات داخل حزب الوفد
إلى جانب العمل السياسي، كان مكرم عبيد محامياً بارزاً، اشتهر بترافعه في القضايا السياسية والدفاع عن المعتقلين، متنقلاً بين المحاكم في دفاع مستمر عن المتهمين في قضايا الرأي والسياسة. وقد عُرف بأسلوبه القائم على التحليل المنطقي وإعادة بناء الوقائع من منظور قانوني وإنساني، حتى أصبح اسمه من أبرز الأسماء في تاريخ المحاماة المصرية.
كما شغل منصب نقيب المحامين ثلاث مرات، وتولى الدفاع عن شخصيات عامة بارزة، من بينها الأديب عباس العقاد في قضية اتهامه بالسب في الذات الملكية.
في عام 1942، ومع تصاعد الخلافات داخل حزب الوفد بينه وبين مصطفى النحاس باشا، انشق مكرم عبيد عن الحزب، وأسس “الكتلة الوفدية”، وأصدر لها جريدة خاصة، لتدخل الحياة السياسية المصرية مرحلة جديدة من الانقسام داخل البيت الوفدي. وخلال تلك الفترة، بدأ في إعداد ما عُرف لاحقاً بـ“الكتاب الأسود”، وهو ملف جمع فيه ما اعتبره مخالفات داخل الحياة السياسية والحزبية، وقدمه في صورة عريضة إلى الملك، ثم طرحه في البرلمان كاستجواب سياسي مثير للجدل.
الكتاب الأسود
وقد أثار “الكتاب الأسود” أزمة سياسية كبيرة، انتهت بإسقاط عضويته من مجلس النواب بعد تصويت مباشر، رغم اعتراضات بعض النواب الذين طالبوا بإحالته إلى اللجنة المختصة. وبعدها بفترة قصيرة، صدر قرار باعتقاله بموجب قانون الطوارئ، ليقضي فترة في السجن خلال مرحلة سياسية شديدة التوتر. ورغم الجدل الكبير الذي أثاره الكتاب، فقد اعتبره بعض المراقبين وثيقة ساهمت في تسليط الضوء على أزمات الحياة الحزبية في تلك المرحلة، ومقدمة لتحولات سياسية لاحقة في مصر.
على الصعيد الفكري، كان مكرم عبيد يُصنف كأحد المفكرين الليبراليين والعلمانيين في عصره، وقد ارتبط اسمه بعدد من الأفكار الإصلاحية، من بينها دعم إنشاء النقابات العمالية، والمساهمة في وضع كادر العمال، والدعوة إلى نظم للتأمين الاجتماعي، إلى جانب طرح أفكار تتعلق بالضريبة التصاعدية ونظم التسليف العقاري الوطني.
كما اشتهر بمقولاته التي عكست رؤيته للوحدة الوطنية، ومن أبرزها قوله: “إن مصر ليست وطناً نعيش فيه بل وطناً يعيش فينا”، إلى جانب عبارته الشهيرة التي تعكس رؤيته للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في إطار الوطن الواحد، والتي أكد فيها على وحدة الانتماء الوطني فوق أي اعتبارات دينية.
وقد ظل مكرم عبيد حتى وفاته في 5 يونيو 1961 شخصية سياسية وفكرية مثيرة للجدل والتقدير في آن واحد، جمع بين العمل السياسي والنضال الوطني والممارسة القانونية، وترك بصمة واضحة في تاريخ الحياة الحزبية والبرلمانية في مصر، باعتباره أحد أبرز وجوه جيله وأكثرهم تأثيراً في مسارها الحديث.







