خطيب الجامع الأزهر: القول السديد منهج إلهي لإصلاح المجتمعات وبناء الأوطان
ألقي الدكتور إبراهيم الهدهد، أستاذ البلاغة والنقد ورئيس جامعة الأزهر الأسبق، خطبة الجمعة اليوم، بالجامع الأزهر، ودار موضوعها حول تفسير قول الحق -سبحانه وتعالى- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، موضحًا أن هذه الآية الكريمة تصلح العالم بأكمله، ولا تصلح أمة الإسلام وحدها، لأنها بدأت بتقوى الله الله سبحانه وتعالى، وبين وسيلته العملية المتمثلة في الكلمة الصادقة الرشيدة.

وشرح أن الله تعالى قد قرن بين التقوى والقول السديد؛ لأن صلاح الأقوال من أعظم دلائل صلاح القلوب، فالكلمة الطيبة تبني الإنسان، وتشيع المودة بين الناس، وتصلح العلاقات الأسرية والاجتماعية، وتدعم استقرار الأوطان، وتدفع إلى التعاون والخير، أما الكلمة الخبيثة فإنها تشعل الخصومات، وتزرع الفتن، وتهدم الأسر، وتفسد المجتمعات، وقد تكون سببًا في حروب ونزاعات لا يعلم مداها إلا الله، ولذلك فهي بعيدة كل البعد عن معنى القول السديد الذي أمر الله به عباده المؤمنين.
اللسان أداة البيان ومرآة القلب
وبين رئيس جامعة الأزهر الأسبق، أن اللسان أداة البيان ومرآة القلب، وأن الكلمة ليست مجرد أصوات تخرج من الأفواه، بل هي أمانة ومسؤولية يسأل عنها الإنسان يوم القيامة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، لذلك فإن "القول السديد" هو القول الحق الصادق المباشر الموافق للصواب، البعيد عن التلاعب بالألفاظ أو الغموض المؤدي إلى الفتن، وهو القول الذي يتسم بالرصانة والمنطق والحكمة.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، موضحًا أن الله -سبحانه وتعالى- يريد بذلك أن يكون المسلم نموذجًا عالميًا يقدم للبشرية سلوكًا عمليًا راقيًا، متابعًا: ولو نظرنا في سورة الأحزاب نجد أنها مليئة بنماذج القول غير السديد الذي يفسد الأمة ويزعزع استقرارها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
الكلمة الطيبة تبني المجتمعات وتؤلف بين القلوب
وشدد الهدهد على أن الكلمة الطيبة تبني المجتمعات وتؤلف بين القلوب، بينما الكلمة الخبيثة تهدم وتفرق، فالكلمة السديدة هي التي تطفئ نار الضغائن وتدعو إلى الإصلاح، وهي علامة على كمال الإيمان، كما أن القول غير السديد يفسد على العبد دنياه وأخراه، بينما في القول السديد صلاح الدنيا والآخرة، محذرا من الانزلاق في آفات اللسان، خاصة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم تداول الأقوال دون تبين أو تثبت، مما يثير الشائعات ويهدد استقرار الأسر والمجتمعات، في حين أن القول السديد يقتضي التروي والتثبت قبل النطق أو النشر، وأن العبرة ليست بكثرة الكلام، فمن كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه سُوِّدت صحيفته.
وختم حديثه بالتأكيد على أن ضبط اللسان من أعظم أسباب النجاة في الدنيا والآخرة، كما أن سلامة الإنسان تكمن في حفظ لسانه من الغيبة والنميمة والكذب والبهتان وسائر آفات القول، وأن الكلمة قد ترفع صاحبها درجات أو تهوي به في المهالك، لذلك يجب أن ينشغل العبد بإصلاح نفسه ومحاسبتها قبل الانشغال بعيوب الآخرين، لذلك فإن الخير في الصمت عما لا ينفع، وفي النطق بما فيه نفع وإصلاح.
وأردف أنه يجب أن يزن الإنسان كلماته قبل أن يتلفظ بها، وأن يتحرى الصدق والحكمة فيما يقول، ليكون قوله سديدا يرضي الله سبحانه وتعالى، ويحقق المودة بين الناس، ويسهم في صلاح العباد واستقرار البلاد.