«مرصد الذهب»: الطلب الآسيوي يتراجع والبنوك المركزية تواصل الشراء
تشهد أسواق الذهب العالمية حالة من الترقب والحذر خلال الفترة الحالية، في ظل تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والمالية المؤثرة على حركة الأسعار، يأتي في مقدمتها انتظار المستثمرين لبيانات الوظائف الأمريكية، إلى جانب مؤشرات تباطؤ الطلب في بعض أكبر الأسواق المستهلكة للمعدن النفيس عالميًا، ورغم الضغوط التي تواجه الأسعار على المدى القصير، فإن استمرار مشتريات البنوك المركزية حول العالم يعزز من النظرة الإيجابية للذهب باعتباره أحد أهم أدوات التحوط وحفظ القيمة في أوقات عدم اليقين.
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب» للدراسات الاقتصادية، إن أسعار الذهب في الأسواق المحلية والعالمية سجلت تراجعًا طفيفًا خلال تعاملات اليوم الجمعة، حيث انخفض سعر جرام الذهب عيار 21 بنحو 10 جنيهات مقارنة بختام تعاملات أمس ليسجل 6620 جنيهًا، فيما تراجعت الأوقية في البورصة العالمية بنحو 16 دولارًا لتصل إلى 4466 دولارًا وقت إعداد التقرير.
وأضاف أن سعر جرام الذهب عيار 24 سجل نحو 7566 جنيهًا، بينما بلغ سعر جرام الذهب عيار 18 نحو 5674 جنيهًا، في حين سجل الجنيه الذهب مستوى 52960 جنيهًا، مشيرًا إلى أن السوق المحلية كانت قد شهدت ارتفاعًا خلال تعاملات أمس بالتزامن مع صعود الأوقية عالميًا.
ترقب بيانات الوظائف الأمريكية
وتتجه أنظار المستثمرين حاليًا إلى بيانات الوظائف الأمريكية غير الزراعية لشهر مايو، والتي تعد من أهم المؤشرات الاقتصادية التي يعتمد عليها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في رسم سياسته النقدية خلال الفترة المقبلة.
وتشير التوقعات إلى إضافة نحو 85 ألف وظيفة جديدة خلال مايو، مقارنة بنحو 115 ألف وظيفة خلال أبريل الماضي. ويرى المتعاملون أن صدور بيانات أقوى من المتوقع قد يدعم الدولار الأمريكي ويقلص فرص خفض أسعار الفائدة في الأجل القريب، وهو ما قد يشكل عامل ضغط على أسعار الذهب باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا.
تراجع الطلب في الصين والهند
وفي الوقت ذاته، بدأت تظهر مؤشرات واضحة على تباطؤ الطلب الاستثماري في عدد من الأسواق الرئيسية، وعلى رأسها الصين والهند، اللتان تعدان من أكبر مستهلكي الذهب في العالم.
ففي الصين، سجلت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب تدفقات نقدية خارجة تجاوزت 10 مليارات يوان خلال الشهر الماضي، كما انخفضت السحوبات من بورصة شنغهاي للذهب إلى نحو 63.5 طن خلال مايو، وهو أدنى مستوى منذ فبراير 2020، ما يعكس تراجعًا في وتيرة الطلب الاستثماري واتجاه بعض المستثمرين إلى جني الأرباح بعد موجة الارتفاعات القياسية التي شهدها المعدن النفيس.
أما في الهند، فقد سجلت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب أول تدفقات خارجة صافية منذ نحو عام، مع خروج استثمارات بقيمة 61 مليون دولار خلال مايو الماضي، وهو ما أدى إلى تراجع إجمالي حيازات الصناديق إلى 116.3 طن.
ورغم هذه التطورات، فإن بيانات السوق تشير إلى استمرار جاذبية الذهب لدى المستثمرين الهنود، حيث تجاوزت التدفقات الاستثمارية إلى الصناديق المدعومة بالذهب منذ بداية العام الجاري نحو 3.48 مليار دولار.
البنوك المركزية تواصل تعزيز الاحتياطيات
وعلى الجانب الآخر، لا تزال البنوك المركزية حول العالم تمثل أحد أبرز مصادر الدعم لأسعار الذهب، حيث واصلت زيادة احتياطياتها من المعدن النفيس خلال الأشهر الأخيرة.
ووفقًا لأحدث بيانات مجلس الذهب العالمي، أضافت البنوك المركزية نحو 17 طنًا من الذهب إلى احتياطياتها خلال أبريل الماضي، بعد فترة من التراجع النسبي في عمليات الشراء.
وجاءت بولندا في مقدمة الدول الأكثر شراءً للذهب بإضافة 14 طنًا إلى احتياطياتها، فيما واصلت الصين تعزيز مخزونها للشهر الثامن عشر على التوالي عبر شراء 8 أطنان جديدة، وهو أعلى مستوى شهري للشراء منذ ديسمبر 2024.
ويرى محللون أن استمرار الطلب الرسمي من البنوك المركزية يعكس رغبة متزايدة لدى العديد من الدول في تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار، وهو ما يمنح الذهب دعمًا قويًا على المدى الطويل.
توقعات الأسعار خلال الفترة المقبلة
ومن جانبه، يرى كارستن فريتش، محلل السلع في بنك كومرتس بنك الألماني، أن الضغوط التضخمية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة قد تؤثر على وتيرة صعود الذهب خلال الفترة القصيرة المقبلة، نتيجة تغير توقعات الأسواق بشأن أسعار الفائدة الأمريكية.
وأوضح أن المستثمرين أصبحوا أكثر حذرًا في توقعاتهم لخفض الفائدة، وهو ما يحد مؤقتًا من قدرة الذهب على تحقيق مكاسب قوية، إلا أن العوامل الأساسية الداعمة للمعدن النفيس لا تزال قائمة.
وتوقع البنك أن يصل سعر الذهب إلى نحو 4800 دولار للأوقية بنهاية عام 2026، مع إمكانية ارتفاعه إلى 5200 دولار للأوقية بحلول نهاية عام 2027، مدعومًا باستمرار مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع مستويات الدين الحكومي عالميًا، وتراجع الثقة في بعض الأصول المالية التقليدية.
تصحيح مؤقت
ويؤكد «مرصد الذهب» أن التراجعات الحالية تبدو أقرب إلى حركة تصحيح مؤقتة بعد المكاسب التاريخية التي سجلها المعدن النفيس خلال الأشهر الماضية، أكثر من كونها تغيرًا جوهريًا في الاتجاه العام للسوق.
ومع استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية، وتزايد إقبال البنوك المركزية على شراء الذهب، إلى جانب استمرار المخاوف المرتبطة بالتضخم وأسعار الفائدة، يظل الذهب محتفظًا بمكانته كأحد أهم الملاذات الآمنة وأدوات التحوط التي يلجأ إليها المستثمرون للحفاظ على القيمة في أوقات التقلبات الاقتصادية والمالية.