سحر الديدي .. رحيل صوت المثقفين وأيقونة إذاعة الشرق الأوسط
في الثاني من يونيو، خيم الحزن على أروقة الهيئة الوطنية للإعلام وماسبيرو، عقب رحيل واحدة من أبرز القامات الإذاعية التي شكلت الوعي الثقافي والفني لأجيال من مستمعي الوطن العربي، الإذاعية القديرة سحر الديدي، أيقونة إذاعة "الشرق الأوسط"، والتي وافتها المنية بعد مسيرة حافلة بالعطاء المهني الخالص والإرث الإبداعي المتميز.
سحر اللغة وعشق الميكروفون
ولدت الراحلة وفي قلبها شغف حقيقي بالكلمة المنطوقة، ورغم أن مسارها الأكاديمي ركز على دراسة اللغة العربية والتعمق في آدابها، فإنها لم تر في هذا التخصص مجرد شهادة جامعية، بل سلاحا مهنيا صقلت به هويتها الإذاعية لاحقا، آمنت سحر الديدي بأن المذيع ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل حارس لبوابة الوعي، وهو ما تجلى في سلامة نطقها وحسن أدائها وثقافتها الموسوعية التي ميزتها منذ الإطلالة الأولى خلف الميكروفون.
وكان عام 1985 المنعطف الأبرز في حياتها المهنية، حينما تقدمت لاختبارات المذيعين والمذيعات بالاتحاد الإذاعي والتلفزيوني المصري، واجتازتها بتفوق لافت يعكس موهبة فطرية، وتلقت الراحلة تدريبها المكثف على أيدي الجيل الذهبي لرواد الإذاعة المصرية، حيث تعلمت من مدارسهم الانضباط والارتجال المدروس واحترام عقل المستمع، ولم يمر وقت طويل حتى لفت انتباه الإذاعية القديرة سناء منصور هذا الصوت المتميز، واختارتها بنفسها للانضمام إلى كتيبة إذاعة الشرق الأوسط، التي كانت بمثابة منارة الترفيه والثقافة والمنوعات في ذلك الوقت.
بصمات برامجية حفرت في ذاكرة الأثير
وعلى مدار عقود من العمل الدؤوب، قدمت سحر الديدي مكتبة برامجية ثرية تنوعت بين النقد الثقافي والحوار الفكري والمنوعات الخفيفة، وكانت برامجها تعكس دائما اهتمامات الشارع المصري والعربي بقالب راق، ومن أشهر المحطات البرامجية التي ارتبط بها الجمهور "تجربتي" و"تحت الطبع" وهو برامج في كواليس الفكر والأدب وسلطت الضوء على الإنتاج الثقافي، و"أحلى ما عندنا" و"منوعات رياضية" وهي برامج أظهرت مرونتها العالية في التنقل بين المواد الفنية والرياضية بخفة ظل وموضوعية، و"حكاوي القهاوي" و"عايز حقي" التي لامست بطريقة مباشرة قضايا المجتمع ونبض المواطن البسيط، و"ستات وبس" و"حكيم الشرق" التي ركزت على الوعي الاجتماعي والأسري والطبي.
وإلى جانب هذه الخريطة البرامجية، كانت الراحلة ركيزة أساسية في إدارة الفترات المفتوحة وقراءة النشرات والمواد الإخبارية، مظهرة التزاما صارما بوقار الخبر والدقة اللغوية.
صالون إعلامي مع عمالقة الفن والفكر
لم تكن لقاءات سحر الديدي الحوارية عابرة، بل كانت أشبه بصالونات ثقافية مصغرة تستخرج منها الشهادات الإنسانية والفنية، وكان أول لقاءاتها الإذاعية الكبرى مع الفنان القدير جميل راتب، وهو الحوار الذي وصفته الراحلة في مذكراتها المهنية بأنه منحها دفعة معنوية هائلة وثقة مطلقة في قدراتها الإذاعية في بداية الطريق.
وامتد قطار حواراتها ليشمل كوكبة من أساطير الفن والسينما والثقافة، منهم نور الشريف وحسين الشربيني وعلي الشريف والفنانة الاستعراضية شريهان والنجمة آثار الحكيم، إضافة إلى الأستاذ فؤاد المهندس، مستخرجة منهم جوانب خفية من حياتهم بفضل أسلوبها الذكي والهادئ في المحاورة.
الإرث والرحيل
وفي وداعها، تحولت صفحات ومجموعات التواصل الاجتماعي الخاصة بأبناء ماسبيرو وزملاء الراحلة في إذاعة الشرق الأوسط، إلى دفتر عزاء رقمي ينبض بكلمات مؤثرة، عكست حجم الحب والاحترام الذي حظيت به طوال مسيرتها.
وطوال مشوارها، كانت الديدي صوتا ينادي بضرورة تمسك الأجيال الجديدة من الإعلاميين باللغة العربية الفصحى والثقافة العامة كشرطين أساسيين للنجاح، مؤكدة أن النجاح الحقيقي لا يصنعه الركض وراء الشهرة، وإنما يصنعه العلم والاجتهاد وحب المهنة.
وبرحيل الإذاعية سحر الديدي، تطوى صفحة مضيئة من صفحات إذاعة الشرق الأوسط، إلا أن صوتها وتراثها الإذاعي سيبقيان محفورين في وجدان مستمعيها وزملائها الذين تعلموا منها العطاء بلا حدود.