مصر تتحول للدعم النقدي بدل العيني.. أرقام ضخمة وإعادة رسم لخريطة المستحقين
تشهد مصر مرحلة اقتصادية محورية تتسم بتوسع واضح في حزمة الإصلاحات الهيكلية التي تستهدف إعادة ضبط أولويات الإنفاق العام، وتعزيز كفاءة إدارة الموارد، وتوسيع دور القطاع الخاص، بالتوازي مع تطوير منظومة الحماية الاجتماعية وبرامج الدعم.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن الحكومة تمضي نحو تنفيذ تحول جذري في سياسات الدعم، إلى جانب توسيع برنامج الطروحات الحكومية، وتحسين بيئة الأعمال، بما يدعم استقرار الاقتصاد الكلي خلال المرحلة المقبلة.
الدعم النقدي بدلا من العيني
أكد رئيس مجلس الوزراء أن الدولة تستهدف بدء تطبيق منظومة الدعم النقدي المباشر بدلا من الدعم العيني للسلع التموينية والخبز خلال العام المالي المقبل، في خطوة تهدف إلى رفع كفاءة منظومة الدعم ومعالجة أوجه القصور المرتبطة بالنظام الحالي.
وأوضح أن هذا التوجه لا يستهدف تقليل حجم الدعم، بل إعادة هيكلته بشكل أكثر عدالة وفعالية، خاصة في ظل وجود فاقد وهدر يقدر بنحو 25% في منظومة دعم الخبز نتيجة التسرب وسوء الاستخدام.
وأضاف أن الحكومة تعمل على تقسيم المستفيدين إلى شرائح وفق مستويات الدخل والاحتياج، بما يضمن توجيه الدعم للفئات الأكثر استحقاقًا.
منظومة الدعم وأرقام الموازنة والمستفيدين
وبحسب بيانات مشروع موازنة العام المالي 2026-2027، خصصت الحكومة نحو 178.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية بزيادة سنوية تبلغ نحو 11% مقارنة بالعام السابق، بينما يصل إجمالي الدعم السلعي الأوسع إلى نحو 334 مليار جنيه، والذي يشمل دعم الكهرباء والمواد البترولية والأدوية وألبان الأطفال.
ويستفيد من منظومة الدعم التمويني ما بين 21 إلى 23 مليون بطاقة تموينية تغطي نحو 60 إلى 64 مليون مواطن، إلى جانب ما يقرب من 70 مليون مستفيد من الخبز المدعم. وتبلغ قيمة الدعم التمويني 50 جنيهًا للفرد حتى أربعة أفراد على البطاقة، و25 جنيهًا للفرد الخامس فأكثر.
التحول إلى الدعم النقدي
وفي المقابل، تشير التقديرات إلى أن التحول إلى الدعم النقدي قد يسهم في خفض التكاليف التشغيلية واللوجستية بنسبة تتراوح بين 10 و15%، مع تحسين كفاءة الاستهداف، ومنح الأسر مرونة أكبر في توجيه الدعم وفق احتياجاتها الأساسية سواء في الغذاء أو الصحة أو التعليم.
كما تعتمد الدولة على برنامج «تكافل وكرامة» كأحد أهم ركائز الحماية الاجتماعية، حيث تبلغ مخصصاته نحو 55 مليار جنيه، ويغطي حوالي 4.7 مليون أسرة بما يقارب 18 مليون مواطن، مع زيادات دورية تتراوح بين 25 و35%، بما يعزز دوره كشبكة أمان اجتماعي للفئات الأكثر احتياجًا.
برنامج الطروحات وتوسيع قاعدة الملكية
وفي إطار برنامج الطروحات الحكومية، كشف رئيس الوزراء عن خطة لطرح ما بين 4 و5 شركات مملوكة للدولة في البورصة قبل نهاية العام الحالي، ضمن استراتيجية تستهدف توسيع قاعدة الملكية وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد.
وأوضح أن الحكومة قيدت بالفعل 16 شركة بنظام القيد المؤقت، مع العمل على قيد 4 شركات إضافية قريبًا، إلى جانب إدراج نحو 10 شركات تابعة لقطاع البترول، بما يعكس توجهًا واضحًا نحو تعميق سوق المال وزيادة جاذبيته للمستثمرين المحليين والأجانب.
السياسة النقدية وسعر الصرف والاتفاق مع صندوق النقد
أكد رئيس الوزراء أن مصر لا تحتاج إلى برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي بعد انتهاء البرنامج الحالي في ديسمبر المقبل، مشيرًا إلى التزام الحكومة بمسار الإصلاحات المتفق عليها، خاصة ما يتعلق بالانضباط المالي ومرونة سعر الصرف.
وشدد على أن الدولة تواصل تطبيق سياسة سعر صرف مرن دون تدخل مباشر، مع التركيز على استهداف التضخم والحفاظ على الاستقرار النقدي، رغم التحديات الإقليمية والدولية.
كما أشار إلى أن البنك المركزي يعمل على توسيع اتفاقيات مبادلة العملة مع عدد من البنوك المركزية، إلى جانب الاتفاق القائم مع الصين، مع استمرار المفاوضات لزيادة حجم هذه الترتيبات المالية بما يدعم الاستقرار النقدي.
ملف الطاقة واستعدادات الصيف
وفي قطاع الطاقة، حذر رئيس مجلس الوزراء من أن فصل الصيف الحالي يعد استثنائيًا من حيث ارتفاع درجات الحرارة، ما ينعكس على زيادة استهلاك الكهرباء والوقود، مؤكدًا أن الحكومة تعمل بكامل طاقتها لضمان استقرار الشبكة الكهربائية وتفادي أي أزمات محتملة.
كما كشف عن دراسة حوافز جديدة لتشجيع استخدام الطاقة الشمسية في القطاعين المنزلي والصناعي، ضمن توجه الدولة نحو التوسع في مصادر الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
مسار إصلاحي متكامل
تعكس هذه السياسات مجتمعة توجها حكوميا واضحا نحو إعادة صياغة نموذج الاقتصاد المصري ليصبح أكثر كفاءة ومرونة، عبر دمج إصلاح منظومة الدعم، وتوسيع برنامج الطروحات، وتعزيز الانضباط المالي، ودعم التحول في قطاع الطاقة.
ويبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالًا تدريجيًا نحو نظام اقتصادي أكثر استدامة، يوازن بين اعتبارات الحماية الاجتماعية ومتطلبات الإصلاح الهيكلي، بما يضمن تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.