مع الإعلان عن موعد طرح الفيلم وبعض من تفاصيله بدأت سهام الهجوم والتخوين تصوب تجاه صُناع العمل، متهمين إياهم بالمشاركة في تشويه التاريخ والمساعدة في الترويج لكذبة الأفروسنتريك وهي أن الحضارة المصرية القديمة قامت على أكتاف وأيدي أفارقه ينتمون للعرق الأفريقي وإننا وافدين ومحتلين سرقنا حضارتهم !
وبالطبع هو أمر عارِ تماما من الصحة، لكنها أصحبت عادة وأحد طقوس عرض الأفلام في الفترة الأخيرة، حيث تلبست روح المؤامرة الكثير من الجمهور الذي تفنن في توزيع الاتهامات حتى قبل أن يشاهد الفيلم.
نعود للفيلم الذي تدور أحداثه في القرن التاسع عشر عن أسد طفل أفريقي من الحبشه، يتم اختطافه وبيعه في مصر لنخاس شامي، يعمل معه في تجارة العبيد الأفارقة ويقع في حبه ابنته الجميلة، ويتزوجها دون علم أهلها وتبدأ الأزمة عندما يصدر الوالي مرسوما بإلغاء تجارة العبيد ومن يريد التحرر يذهب لشيخ الحارة للحصول على صك الحرية ومن هنا يبدأ صراع التحرر بين العبيد بقيادة أسد وبين النخاسين والأسياد الذين تأثرت مصالحهم بهذا المرسوم.
قصة جديدة ومختلفة على السينما المصرية، حيث لم تتطرق لها من قبل وهذا في حد ذاته شيء جيد أن نخرج من دوامة الموضوعات السطحية المتكررة سواء أكشن أو كوميدي والتي بدأت مع بداية الألفية بفيلم صعيدي في الجامعة الامريكية واستمرت حتى الآن حتى فسد ذوق الجمهور بتعاطي السطحية لدرجة رفضه لأي نوع سينما مختلف، لكن النوايا الحسنة والأفكار المختلفة وحدها لا تصنع فيلما جيدا، حيث وقع المخرج والمؤلف في عِدة أخطاء أفسدت التجربة وجعلت منها مجرد محاولة لعمل فيلم جيد ومختلف.
البداية عندما تصدرت الشاشة كلمة القاهرة 1840، هنا أنت حددت الزمان والمكان وبالتالي بحث الجمهور عن أحداث العمل وبعض من تفاصيله في هذا الزمكان وبالطبع لم يجده، بالتأكيد الدراما لا تقدم التاريخ كما هو، ولكن ما دمت اخترت مكان وزمان محدد عليك الالتزام بجزء من الحقائق والباقي لخيالك، أما أن يكون كل التفاصيل والأحداث من الخيال كان عليك أن لا تحدد المكان والزمان.
الخطأ الثاني هو الرسم الأحادي للشخصياـت، شخصيات العمل إما قاسية وشريرة أو طيبة وخانعة لا شخصيات رمادية أو خلافية، وهو خطأ لا يقع فيه طالب في معهد سينما.
حاول مخرج العمل خلق واقع بصري من خلال ديكور مميز للأسواق والبيوت وتصميم ملابس أيضا مميز يناسب زمن الأحداث، لكن هذا العالم البصري اصطدم بلغة حوار معاصرة تناقض هذا الواقع البصري، سمعنا ألفاظا معاصرة مثل "هجص، العركة دارت" سمعنا أسد العبد يقول "الأسياد مش عايزة عبيد مصر تتحرر" وكلام آخر عن قضية التحرر المصيرية لا تناسب عبد جاهل مثل أسد وإنما تصدر من ليبرالي حداثي، أيضا وجدنا ولي العهد يتابع أخبار أسد ومعاركه من جريدة الوقائع المصرية وكأنها جريدة يومية تنشر أخبار الحوادث رغم أن الوقائع المصرية كانت تنشر فقط قرارات الوالي، هذا التناقض بين الصورة والكتابة أضعفت الفيلم إلى حد كبير وزاد من تشتت الجمهور بين ما يرى وما يسمع، الزمكان أو الزمان والمكان ودراما الحدث هم وحدة واحدة لا يمكن أن تفصل بينهم، ولا بد أن تكون الصورة متماشيه مع الحوار والحدث لا تناقضه، لكن ما حدث أن دياب تعامل مع كل وحدة بشكل منفصل عن باقي تفاصيل الفيلم.
عانى الفيلم من سوء اختيار لأكثر من شخصية منهم أحمد داش، ممثل جيد لكن غير مناسب للشخصية التي قدمها، ملامحه الطفولية بين اللحية والطربوش مع أدائه جعلت من الشخصية الجادة كوميدية إلى حد الهزل، نفس الأمر مع الممثل الكبير ماجد الكدواني الذي جاء أداؤه باهت بسبب ضعف الكتابة وعدم وضوح الرؤية، الشخصية مجهولة بلا اسم رغم أن الزمان والمكان ومن أصدر مرسوم إلغاء تجارة العبيد هو الخديوي إسماعيل، ولي العهد الذي عاش في فرنسا وكان رافضا العودة لمصر هو الخديوي سعيد ابن توفيق وليس إسماعيل، الخديوي عباس حلمي هو ابن إسماعيل، كل هذا عكس ما جاء في الفيلم.
اهتم دياب بالصورة على حساب الدراما، حيث لم نجد أي مبررات درامية لكثير من الأحداث والتحولات الشخصية، أولهم قصة الحب بين العبد أسد وابنة سيده، كيف ولماذا بدأت لم يهتم دياب بإعطائنا أي مبرر درامي لهذه العلاقة حتى لو مبرر ساذج رغم أن هذه العلاقة هي أساس الفيلم والخط الرئيسي المحرك لكل الأحداث، اهتم دياب بالمعارك وتناثر الدماء والأشلاء في كل أنحاء الكادر على حساب أن يمنحنا خلفية تاريخية أكثر عمقا عن هذا العالم القاسي وتأثيره النفسي والاجتماعي على هذه الشريحة حتى يكون هناك مبرر لثورتهم المزعومة، ولهذا ظهر أسد وكأنه بطل أسطوري جاء من عالم آخر ليقود ثورة التحرر، لم يظهر وكأنه جزء من عالم متشابك ومقعد العلاقات، تتشابك فيه المصالح والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى نتج هذا الوضع المأساوي من استغلال وتجارة في البشر، ظهر هذا كما قلنا سابقا في لغته التي لا تناسب بيئته أو الزمان نفسه، وهو ما يأخذنا إلى النقطة التالية وهي الأهم وأساس الفيلم.
تأثر محمد دياب الكبير بالسينما الأمريكية وما تقدمه من موضوعات وربما يخاطب بهذا الفيلم الجمهور وصُناع السينما هناك بهذا العمل وليس الجمهور المصري.
إلتماس بين أسد وكونتا كنتي في مسلسل الجذور واضح لأي متابع لهذا المسلسل الشهير والذي تم إذاعته في سبعينيات القرن الماضي، البداية تقريبا واحدة الحياة البسيطة الآمنة التي يعيشها الطفل الأسود في جامبيا "في أسد كانت الحبشة" ثم يتم اختطافه عن طريق تجار بشر ليتم بيعه في مكان آخر، كونتا كنتي أو أسد كلاهما يتميز بالقوة الجسدية والصلابة تجاه ما يتعرض له من إهانة وقسوة وتعذيب، حتى يقرر التخلص من هذه القيود، وهناك تماس آخر بين وليم والاس في قلب شجاع الذي وقع في زوجة ولي العهد المثلي وتمرده المسلح والذي انتهى بإعدامه وهو يصرخ حرية، وأسد أيضا أحب ابنة سيده وقاد ثورة مسلحة انتهت بقتله وهو يرفع يده بطلب التحرر.
الفيلم كان فرصة جيدة لتقديم شيء مختلف للجمهور المصري، التطرق لموضوع جديد على الدراما المصرية بعيدا عن الموضوعات التافهه المستهلكة، لكن أفسدها دياب بتواضع الكتابة وسطحية الرؤية، صنع فيلما "هجين" لا هو تاريخي فالأحداث ملفقة والشخصيات تم تجهيلها كما في الوالي والأمير، ولا هو فانتازيا بدليل تحديد المكان والزمان والمرسوم والجريدة، لا هو مصري لأن تركيبة المجتمع المصري ليس فيها أبيض وأسود بل كان فيها فلاح أجير وعبد، أمام سيد تركي أو شركسي أو ألباني أو محتل إنجليزي، ولا هو فيلم أمريكي لأن الأحداث دارت مصر عن قضية قيل إنها مصرية.
وتلك هي الأزمة الكبرى، دياب يخاطب جمهور وصُناع السينما في أمريكا بموضوعات تروق لهم، لكن بملامح مصرية، والنتيجة لا شيء، لا هو فيلم مصري حقق طفرة في صناعة الفيلم في مصر يُضاف لتاريخ السينما المصرية ولا هو فيلم أمريكي استطاع مغازلة هوليوود ليذهب لهم.
الفيلم نقطة فارقة في مشوار رمضان استطاع أن يخرج به من شخصية البطل الشعبي والحارة الشعبية وأيضا علي قاسم الذي يُثبت في كل عمل أنه ممثل كبير ونجم قادم يحتاج فرصة تناسب موهبته الكبيرة.
أسد فيلم متوسط فنيا تميز فيه بشكل كبير الديكور والملابس ولولا تواضع الكتابة وسطحية الرؤية لأصبح فيلما مهما.