رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ذكري رحيلها.. هدي سلطان تألقت في التمثيل بنفس درجة التألق في الغناء

إيجبتكِ

تحل اليوم الخامس من يونيو، ذكرى رحيل الفنانة الكبيرة هدى سلطان، إحدى أبرز نجمات الفن المصري والعربي في القرن العشرين، والتي تركت بصمة استثنائية في الغناء والسينما والدراما التلفزيونية على مدار أكثر من خمسة عقود من العطاء الفني. ورغم مرور سنوات على رحيلها، ما زالت أعمالها حاضرة في ذاكرة الجمهور، بوصفها نموذجًا للفنانة الشاملة التي جمعت بين الصوت المميز والأداء التمثيلي الصادق.


من بهيجة عبد العال إلى هدى سلطان


وُلدت هدى سلطان باسم "بهيجة عبد السلام عبد العال الحو" في 15 أغسطس عام 1925 بمحافظة الغربية، ونشأت في أسرة محافظة. ولهذا واجهت اعتراضات عائلية في البداية. وقد ظهرت موهبتها منذ طفولتها، قبل أن تشق طريقها نحو الإذاعة ثم السينما لتصبح واحدة من أبرز نجمات جيلها.


بداية فنية جريئة


اتخذت هدى سلطان قرارًا مصيريًا باحتراف الفن في وقت كانت فيه التقاليد الاجتماعية تفرض قيودًا كبيرة على المرأة، وبعد انفصالها عن زوجها الأول بسبب رفضه عملها الفني، انتقلت إلى القاهرة وبدأت مشوارها الاحترافي، وكان فيلم "ست الحسن" من أوائل محطاتها السينمائية، لتنطلق بعدها نحو النجومية بخطوات ثابتة.


نجمة جمعت بين الغناء والتمثيل


لم تكن هدى سلطان مجرد مطربة أو ممثلة، بل استطاعت الجمع بين المجالين بنجاح كبير. فقدمت عشرات الأغنيات والأعمال السينمائية التي جعلتها من أبرز الوجوه الفنية في مصر والعالم العربي، كما شاركت في أكثر من 140 عملًا فنيًا بين السينما والتلفزيون.
ومن أبرز الأعمال التي ساهمت في ترسيخ مكانتها أفلام "جعلوني مجرمًا"، و"امرأة في الطريق"، و"الاختيار"، إلى جانب العديد من الأعمال التي أبرزت قدرتها على تجسيد الشخصيات الشعبية والدرامية بواقعية شديدة.


 صوت غنائي ترك بصمة لا تُنسى


إلى جانب نجاحها اللافت في التمثيل، امتلكت هدى سلطان موهبة غنائية استثنائية جعلتها واحدة من أبرز الأصوات النسائية في جيلها. بدأت رحلتها مع الغناء مطلع خمسينيات القرن الماضي بعدما لفتت انتباه الملحن أحمد عبد القادر، الذي قدمها إلى الإذاعة المصرية، لتبدأ مرحلة جديدة من التألق الفني.
وخلال مشوارها الغنائي، تعاونت مع نخبة من كبار الملحنين، من بينهم شقيقها الموسيقار محمد فوزي، إلى جانب رياض السنباطي ومحمد الموجي، وقدمت مجموعة من الأغنيات التي جمعت بين الطابع الشعبي والرومانسي. وتميز صوتها بالقوة والدفء والقدرة على التعبير عن المشاعر بصدق، ما جعل أغانيها تحظى بانتشار واسع بين الجمهور.
ومن بين الأعمال الغنائية التي رسخت مكانتها في ذاكرة المستمعين أغنيات مثل "لاموني"، و"إن كنت ناسي"، و"يا ضاربين الودع"، فضلاً عن الأغنيات التي قدمتها ضمن أفلامها السينمائية، والتي شكلت جزءاً مهماً من نجاح تلك الأعمال وانتشارها.


ثنائية فنية وإنسانية مع فريد شوقي


شكّلت قصة زواج هدى سلطان من الفنان الكبير فريد شوقي واحدة من أشهر العلاقات الفنية في تاريخ السينما المصرية، وأثمر هذا الزواج عن عدد من الأعمال المشتركة الناجحة، كما أنجبا ابنتهما ناهد فريد شوقي، التي أصبحت لاحقًا من أبرز المنتجين في الوسط الفني، ورغم انتهاء العلاقة الزوجية، ظل الاحترام والتقدير المتبادل يجمع بين النجمين حتى النهاية.


مرحلة النضج الفني.. من نجمة سينمائية إلى أيقونة درامية


تمثل مسيرة هدى سلطان نموذجًا نادرًا للفنانة القادرة على التطور المستمر وإعادة تقديم نفسها عبر الأجيال المختلفة. ففي سنواتها الأولى ارتبط اسمها بأدوار المرأة الجميلة القوية والمتمردة، إلا أنها نجحت لاحقاً في كسر هذا القالب والانتقال إلى أدوار أكثر عمقاً ونضجاً.
ومع ازدهار الدراما التلفزيونية المصرية، استطاعت هدى سلطان أن تؤسس مرحلة جديدة من التألق، حيث قدمت مجموعة من الشخصيات التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ الشاشة العربية. ويأتي في مقدمة هذه الأدوار دور "فاطمة تعلبة" في مسلسل "الوتد"، الذي جسدت من خلاله صورة الأم الريفية الصلبة والقادرة على إدارة شؤون أسرتها بحكمة وقوة، ليصبح الدور واحداً من أشهر أدوارها على الإطلاق.
كما قدمت شخصية "أمينة" في الأعمال المأخوذة عن ثلاثية نجيب محفوظ، معبرة بصدق عن معاناة المرأة المصرية في مطلع القرن العشرين، فيما أظهرت في مسلسل "زيزينيا" براعة كبيرة في تجسيد شخصية الأم التي تواجه التحولات الاجتماعية وتحاول الحفاظ على تماسك أسرتها وسط المتغيرات المتسارعة.
وبفضل هذه الأدوار وغيرها، تحولت هدى سلطان من نجمة سينمائية ومطربة شهيرة إلى واحدة من أهم رموز الدراما المصرية، لتؤكد أن الموهبة الحقيقية قادرة دائماً على التجدد ومخاطبة وجدان الجمهور مهما اختلفت الأزمنة.


الرحيل وبقاء الأثر


في الخامس من يونيو عام 2006، رحلت هدى سلطان عن عالمنا بعد رحلة طويلة من العطاء الفني، تاركة خلفها إرثًا ثريًا من الأعمال التي لا تزال تحظى بمكانة خاصة لدى الجمهور العربي. وقد مثّل خبر وفاتها خسارة كبيرة للوسط الفني الذي فقد إحدى أبرز أيقوناته، وبعد سنوات من رحيلها، لا تزال هدى سلطان حاضرة في وجدان المشاهد العربي، بفضل ما قدمته من أعمال خالدة في الغناء والتمثيل. فقد نجحت في بناء مدرسة فنية خاصة تقوم على الصدق والبساطة والقدرة على التعبير عن الإنسان المصري بكل تفاصيله.
وبين الغناء والسينما والتلفزيون، تركت هدى سلطان إرثًا فنيًا ضخمًا جعلها واحدة من أهم نجمات الفن العربي في القرن العشرين، لتظل أعمالها شاهدًا على عصر ذهبي من الإبداع المصري، واسمًا محفورًا في ذاكرة الأجيال المتعاقبة.
رحلت هدى سلطان جسدًا، لكن صوتها وأعمالها ما زالا يرويان حكاية فنانة استثنائية استطاعت أن تنتصر للموهبة، وأن تحجز لنفسها مكانة خالدة في تاريخ الفن العربي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء