رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

محمد عبدالرحمن: البيانات الاقتصادية ومعركة الثقة..هل تقول الأرقام الحقيقة؟

محمد عبدالرحمن
محمد عبدالرحمن

في السياسة والاقتصاد الأرقام تبدو في ظاهرها حقائق جامدة لا تحتمل الجدل، لكنها في الواقع تتحول إلى أدوات يمكن استخدامها لصناعة روايات متناقضة تمامًا.

الإعلام المعادي لا يحتاج إلى تزوير الأرقام أو اختراع بيانات جديدة، بل يكفيه أن يختار زاوية معينة من المقارنة ليصنع قصة كاملة تهز ثقة الناس في حكومتهم واقتصادهم، وتلك  هي "لعبة الأرقام"، حيث الحقيقة نفسها يمكن أن تعرض كدليل على الفشل أو كبرهان على النجاح، والنتيجة النهائية ليست مرتبطة بالرقم ذاته بل بالانطباع الذي يتركه في ذهن المتلقي.

لنأخذ مثالًا بسيطًا من خطة الحكومة لترشيد الإنفاق التي أعلنها الدكتور مصطفى مدبولي في مارس 2026 مع تصاعد الحرب الأمريكية الإيرانية وما فرضته من ضغوط على الاقتصاد العالمي، إذا أراد الإعلام المعادي مهاجمة الحكومة، سيقارن نفقات مارس 2026 بمارس 2025، ليقول إن المشتريات الحكومية ارتفعت من 13.5 مليار إلى 14.3 مليار جنيه، بزيادة 800 مليون.

وهنا ستصل رسالة للمواطن أن الحكومة تتحدث عن التقشف بينما الإنفاق يرتفع، فيشعر المواطن أن هناك تناقضًا بين الخطاب والواقع، لكن إذا أراد الإعلام المدافع عن الحكومة أن يبرز نجاحها سيقارن مارس 2026 بفبراير 2026، ليقول إن المشتريات انخفضت من 18.2 مليار إلى 13.5 مليار جنيه، أي أن خطة مدبولي نجحت في خفض الإنفاق بنسبة 25.8% في شهر واحد فقط.

المفارقة أن الروايتين صحيحتان والأرقام المستخدمة في الحالتين صحيحة، لكن الانطباع النهائي مختلف تمامًا، المواطن الذي يسمع أن الإنفاق ارتفع سيغضب ويشعر أن الحكومة تخدعه، والمواطن الذي يسمع أن الإنفاق انخفض سيشعر أن هناك جهدًا للإصلاح. 
كلاهما استند إلى أرقام حقيقية لكن كل طرف نظر إلى جزء مختلف من الصورة، وهنا أصل القضية في السياسة والاقتصاد لا يعيش الناس داخل الجداول الإحصائية بل يعيشون داخل الانطباعات، والانطباعات تتشكل غالبًا من طريقة تقديم البيانات وليس من البيانات نفسها.

وهنا يمكننا القول أن الحكومة تحتاج إلى صياغة خطاب اقتصادي يشرح الأرقام بوضوح، لأن غياب الشرح يترك فراغًا يملؤه الإعلام المعادي بتفسيرات تهز الثقة، أما اقتصاد المعلومات فيوضح أن المعلومة الاقتصادية ليست محايدة بل تتحول إلى أداة سياسية يمكن أن تستخدم لتعزيز الثقة أو لتقويضها.

الإعلام المعادي يعرف جيدًا أن المواطن لا يملك الوقت ولا الأدوات لتحليل البيانات المعقدة، لكنه يتأثر بالرسائل المباشرة التي تبنى على جزء من الحقيقة، لذلك يصبح الرقم الواحد مادة يومية على مواقع التواصل الاجتماعي، قادرًا على صناعة موجة غضب أو حالة تفاؤل أو جدل واسع خلال ساعات قليلة، وهنا تكمن خطورة الأمر ليس في الأرقام نفسها بل في كيفية استخدامها ضد الدولة.

أيها السادة معركة المرحلة المقبلة ليست اقتصادية فقط، بل هي أيضًا معركة تواصل وثقة وشرح وإقناع، فالمطلوب اليوم ليس فقط اتخاذ القرار الصحيح بل شرح القرار الصحيح وليس فقط نشر الأرقام بل تفسيرها، وليس فقط إعلان النتائج بل وضعها في سياقها الكامل.

المصريون من حقهم أن يناقشوا ويعترضوا ويختلفوا ويعبروا عن مشكلاتهم الاقتصادية بكل وضوح، والنقد المسؤول ضرورة لأي دولة تريد أن تتقدم لكن في المقابل تحتاج الحكومات إلى شرح أكبر وأسرع وأكثر وضوحًا لما يحدث حتى لا يعبث أحد بعقول الناس.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء