بين مقص الرقابة والأعمال الوطنية|معارك الساحر وصناعة النجومية الاستثنائية
الشيخ حسني .. عز و منصور الطوبي.. رأفت الهجان .. محمود المصري .. عبدالملك زرزور .. أبو هيبة .. تشخيصات كُثر تبقى ملامحها دوماً بمخيلتك حين يُذكَر إسمه .. و لكن يبقى مرتضى السلاموني هو الأقرب لذهني بتلك الجملة التي تجبرني طوعاً على انتظار أخر لحظات الفيلم كي أرى مرتضى ممسكاً بسماعة الهاتف مبتسماً إبتسامة تحدي – لا مثيل لها – قائلاً : يا عزيزي كلنا لصوص . تبدلت الجملة اليوم بمسامعي لتصبح : يا عزيزي كلنا راحلون .
"يا عزيزي كلنا راحلون".. عبارة تخطر على بال ملايين المحبين مع كل ذكرى ميلاد تحل للفنان الكبير محمود عبد العزيز في (4 يونيو). لكن خلف ملامحه الباسمة، وإفيهاته الشعبية الخفيفة التي نرددها حتى اليوم، كان هناك وجه آخر لـ "الساحر"؛ وجه الفنان الذكي الذي عرف كيف يدير معاركه الفنية على جبهتين: جبهة "الرقابة" ليعبر بمشاكل الناس ومخاوفهم، وجبهة "الأعمال الوطنية" ليحفر مفهوم الانتماء في قلوب الأجيال.
الذكاء في مواجهة الرقابة
لم يكن محمود عبد العزيز ممثلاً عادياً يكتفي بما يُملى عليه، بل كان فنانًا ذكيًا يعرف كيف يواجه "مقص الرقيب" دون صدام يخسر بسببه الفيلم. كان يملك سر الطبخة؛ يغلف النقد السياسي والاجتماعي القاسي بـ "جرعة بهجة وضحك"، ليمر العمل بسلام وتصل الرسالة للجمهور كاملة.
في فيلم "البريء"، شارك في تقديم صرخة حقيقية ضد الظلم، وهي المعركة الشهيرة التي انتهت وقتها بحذف نهاية الفيلم. وفي فيلم "الدنيا على جناح يمامة"، أخذنا معه في رحلة بسيطة بسيارة تاكسي، لكنه من خلالها قدم نقداً عميقاً لفساد المجتمع والغلاء ومشاكل الناس البسيطة.
وحتى في فيلمه الأيقوني "الكيت كات"، لم يكن "الشيخ حسني" مجرد رجل كفيف يطلق النكات ويغني، بل كان رمزاً للإنسان الذي يرفض الاستسلام للعجز والظروف الصعبة. لقد أثبت محمود عبد العزيز أن الضحك والكوميديا هما أسهل طريق لقول الحقيقة وتخطي الخطوط الحمراء.
من الأعمال الوطنية إلى بيوت الملايين
وعلى الجانب الآخر، بعيداً عن معارك الأفلام، تحول محمود عبد العزيز إلى بطل قومي تلتف حوله الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، وذلك عندما فتح ملفات الأعمال الوطنية وكيف قدمها للشاشة بأسلوب ساحر.
حين قدم فيلم "إعدام ميت"، نجح في تجسيد الصراع الصعب بين الخيانة والوطنية. لكن المحطة الأهم والتي لم ولن تُنسى كانت مسلسل "رأفت الهجان" بسبب عبقرية أداء محمود عبد العزيز، لم يعد "رفعت الجمال" مجرد اسم جاف في ملف استخباراتي مغلق، بل تحول إلى إنسان من لحم ودم، نعيش معه ونخاف عليه.
تجاوز الساحر في هذا العمل حدود التمثيل؛ جعل الشوارع العربية تخلو تماماً من المارة وقت عرض المسلسل. والسر في ذلك أنه لم يقدم "سوبرمان" لا يخطئ، بل قدم بطلاً حقيقياً رأيناه يخاف، ويبكي من الشوق، ويتألم في غربته لخدمة بلده. هذه الإنسانية هي التي جعلت حب الوطن يتسلل بسلاسة إلى قلوب شباب وأطفال لم يعاصروا الحرب، فتعلموا معنى الانتماء من نظرة عينيه وتعبيرات وجهه.
حكاية فنان لن يتكرر
بين أفلام واجهت الرقابة، ومسلسلات وطنية شائكة، نجح محمود عبد العزيز في معادلة صعبة جداً؛ أن يظل بطلاً يعشقه البسطاء في الشارع، ويحترمه النقاد في الصحافة، وتقدّره الدولة.
رحل الساحر، لكنه ترك خلفه درساً غالياً لكل جيل فني جديد: أن الفنان الحقيقي ليس من يسعى للترفيه والربح فقط، بل من يملك الذكاء والجرأة ليجعل من فنه مرآة تعبر عن الناس، ودرعاً يحمي وعي الوطن.