السينما والتاريخ على صفيح ساخن .. بين دقة التوثيق وحرية الإبداع
شهدت الساحة الفنية خلال الأيام الماضية، حالة من الجدل تحولت في كثير من الأحيان إلى معارك نقدية، بعد أن فتح فيلم "أسد" أبواب التأييد والمعارضة لتناول شخصيات وفترات تاريخية برؤية خيالية، أو استلهام أحداث من فترة تاريخية بعينها دون الالتزام بسرد الواقع، وبينما يرى قطاع من الجمهور والمؤرخين في هذه المعالجات تزييفا للهوية وتشويها للحقائق، يدافع آخرون في المقابل عن حقهم الأصيل في اتخاذ التاريخ مجرد محرك للخيال الفني لإسقاط أفكار عصرية، دون التقيد بحرفية الأحداث.

وفي هذا السياق، أكد الناقد الفني عصام زكريا لـ "إيجبتك"، أن تطور الأحداث عبر الزمن من الماضي إلى الحاضر والمستقبل في العمل الفني، هو ملك لصانع العمل وحده وهو حق أصيل له، مستشهدا بنماذج عالمية أصلت لهذا المفهوم مثل فيلم "هاملت" الذي تناول حياة زوجة شكسبير وبنى حول شخصيتها الحقيقية أحداثا خيالية بالكامل، والدراما التاريخية الإنجليزية مثل مسلسل "بريدجرتون" التي تعيد كتابة التاريخ بشكل خيالي لا أساس له من الصحة، وصولا إلى السينما التشيلية التي جسدت الديكتاتور "بينوشيه" في هيئة مصاص دماء يطير ليلا، واصفا اعتراض البعض على هذه المعالجات بالعبث الفني.
ووجه الناقد عصام زكريا، هجوما لاذعا على منتقدي الأعمال الفنية عبر منصات التواصل الاجتماعي، موضحا أنهم ليسوا مختصين في الأدب أو في الفن ولا حتى مؤرخين، مشددا على الجاني الآخر، على ضرورة أن يراعي صناع العمل دقة التعبير عبر كتابة تنويه على الشاشة يوضح أن العمل خيالي تماما مستوحى من الفترة التاريخية المقصودة.
ملف العبودية في مصر والعالم العربي
وأكد الناقد الفني عصام زكريا، أن الخلاف الذي دار حول فكرة تجسيد تاريخ العبيد والرق في الأعمال الفنية المحلية، لابد من النظر إليه كفرصة موضوعية وذهبية لفتح أحد أكثر الملفات بشاعة، والمسكوت عنها في التاريخ العربي والمصري، دون إنكار فظاعة هذا التاريخ أو تجميله، موضحا أن واقع العبودية في التاريخ العربي والمصري كان أسوأ بكثير مما قد تجرؤ شاشات السينما على طرحه.
وأوضح أن تجارة الرق كانت عصب الاقتصاد العالمي لقرون طويلة، وأن التجار العرب كانوا يشكلون نسبة من تلك التجارة، وهو ما يفسر ظهور التاجر بالزي العربي في الأفلام الأمريكية كحقيقة تاريخية معروفة، والصور الفوتوغرافية الحقيقية لأسواق النخاسة في مصر بعد عام 1850 ما زالت موجودة وموثقة.
نقد السير الذاتية
وقال زكريا "إن الجدل لم يتوقف عند ملف الرق، بل امتد ليشمل مسلسلات وأفلام السير الذاتية مثل أم كلثوم، حيث أكدت الرؤية النقدية أنه حتى وإن حمل العمل الفني بعض المعلومات التاريخية الخاطئة، إلا أنه يحسب له فتح الباب للجيل الجديد لمعرفة سيرة العظماء والمشاهير والقراءة عنهم لتصحيح تلك المعلومات بمزيد من المعرفة.
واستشهد الناقد برواية وفيلم "سبارتاكوس" الشهير (ثورة العبيد في روما)، كدليل قاطع على مشروعية إسقاط الأفكار العصرية على التاريخ، مؤكدا أن الكاتب خلق شخصيات وحوارات وأفكارا ثورية تناسب القرن العشرين الذي كتبت فيه الرواية لتوظيفها ضد الاستعمار والاستغلال الراهن، بالرغم من أن العبيد في روما لم يمتلكوا هذا الوعي بالتأكيد، ومع ذلك ظل عملا فنيا خالدا يحتذى به في بث معاٍ عصرية تناسب المشاهد الحالي.
دعوة لمواجهة العنصرية الراهنة
وفي ختام حديثه، طالب الناقد بضرورة تحويل الهجوم العنيف وتراشق الاتهامات العشوائية ونظريات المؤامرة، إلى نقاش معرفي وموضوعي يثري عقول المشاهدين دون تجريح لصناع الأفلام، داعيا المجتمع إلى مواجهة نفسه بدلا من محاولات تبرئة الذمة وتبرير الموقف، وعوضا عن الشعارات الجوفاء، مؤكدا أن ما يميز السينما الحقيقية هو استغلال اهتمام الجمهور بالأعمال المسلية والدرامية من أجل اختراق هذا الجهل، وإعطاء المجتمع جرعة معرفية تدفعه لمحاسبة تاريخه وفهم حاضره.
الفن سلعة والجمهور حكم

ومن جانبه، أكد السيناريست والمؤلف وليد يوسف، أن الخيال هو الأساس الأصيل الذي تبنى عليه كافة الأعمال الفنية والدرامية، وفي حين يتقاطع هذا الخيال أحيانا مع حقائق تاريخية وفترات زمنية معينة، قد ينفصل عنها تماما في أحيان أخرى لخدمة السياق الدرامي.
وفي حديثه عن تجاربه السابقة، ضرب المؤلف وليد يوسف مثالا بمسلسل "الدالي"، موضحا أن شخصية الرئيس الراحل أنور السادات كانت الشخصية الحقيقية الوحيدة في العمل وسط أجواء وفترة زمنية واقعية، في حين أن كافة الشخصيات المحيطة بها كانت درامية من وحي خيال الكاتب وليست حقيقية، مشددا على أن صناعة الفن تعتمد في جوهرها على التجريب المستمر والحرية المطلقة للمؤلف.
حرية الكاتب وسلطة الجمهور
وأوضح أن خيال الكاتب لا يمكن تقييده أو الحجر عليه، طالما أنه يلتزم بالثوابت والأخلاق العامة، مؤكدا في الوقت ذاته على الحق الكامل للجمهور في التعبير عن رأيه بكل حرية سواء بالقبول أو الرفض بمجرد تحول العمل إلى سلعة فنية معروضة للعامة، فطالما أن الفن سلعة، فالأمر متاح للجمهور أن يختار منها ما يناسب ذوقه وهواه.