أحمد رفعت: الدين العام لا يعني بالضرورة وجود أزمة اقتصادية|فيديو
قال الكاتب الصحفي أحمد رفعت، رئيس تحرير موقع "إيجبتك"، خلال برنامجه "رئيس التحرير"، إن ملف الديون العامة يُعد من أكثر الملفات الحساسة التي تحتاج إلى قراءة دقيقة وهادئة، بعيدًا عن الانفعالات أو التفسيرات الخاطئة التي قد تؤدي إلى تشويه الحقائق الاقتصادية، موضحًا أن الهدف من طرح هذا الملف ليس تأييد أو رفض الاقتراض، وإنما تقديم رؤية أكثر عمقًا لفهم طبيعة الدين العام ودوره في سياسات التنمية، مؤكدًا أن العديد من الدول الكبرى تعتمد على الاقتراض كأداة أساسية لدعم خططها الاقتصادية.
اقتصادات كبرى تعتمد على الديون رغم قوتها العالمية
وأشار رفعت إلى أن وجود الدين لا يعني بالضرورة وجود أزمة اقتصادية، مستشهدًا بالولايات المتحدة الأمريكية التي تمثل أكبر اقتصاد في العالم بنسبة مساهمة في الناتج العالمي تصل إلى نحو 25%، ورغم ذلك يبلغ حجم ديونها أكثر من 35 تريليون دولار، مضيفًا أن هذا النموذج يعكس أن الاقتراض في حد ذاته لا يُعد مشكلة، طالما أن هناك قدرة على السداد وإدارة رشيدة للموارد، موضحًا أن الدول الكبرى تستخدم الدين العام كأداة لتوجيه الموارد نحو الاستثمار والتنمية وليس كمؤشر على الضعف الاقتصادي.
وأكد رئيس تحرير "إيجبتك"، أن الدول تلجأ إلى الاقتراض لتمويل خطط تنموية ضخمة، مع الاحتفاظ بجزء من مواردها دون المساس بها، بهدف إعادة توظيفها في مجالات أكثر كفاءة وعائدًا، موضحًا أن الاقتراض يصبح أداة إيجابية عندما يُستخدم في بناء مشروعات إنتاجية وبنية تحتية، مشيرًا إلى أن العديد من الدول الغنية حول العالم تعتمد على هذا النهج دون أن يعني ذلك وجود أزمة مالية لديها.
بناء دولة دون مديونية ضخمة
وتطرق رفعت إلى التجربة المصرية بعد ثورة يوليو، موضحًا أنها شهدت بناء مؤسسات وطنية كبرى دون الاعتماد على الديون في مراحلها الأولى، حيث تم إنشاء مؤسسات سيادية وخدمية مهمة مثل المخابرات العامة، الرقابة الإدارية، الجهاز المركزي للمحاسبات، إضافة إلى مشروعات صحية وتعليمية ضخمة، كما أشار إلى تنفيذ مشروعات قومية كبرى مثل السد العالي، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء مراكز طبية متخصصة مثل معهد القلب ومعهد الأورام ومعهد الكبد، والتي ما زالت تمثل ركائز أساسية في المنظومة الصحية حتى اليوم.
الستينيات والنهضة الصناعية
وأوضح أن مصر في الستينيات شهدت نهضة صناعية كبيرة شملت بناء مؤسسات ومصانع ومشروعات قومية، إلى جانب تطوير البنية الأساسية، مؤكدًا أن تلك المرحلة ساهمت في إعادة بناء الدولة على أسس قوية دون الاعتماد على الاقتراض الخارجي بشكل كبير، حيث أن هذه التجربة تؤكد أن التنمية يمكن أن تتحقق بأدوات مختلفة، لكنها تتطلب رؤية واضحة وقدرة على الإدارة الاقتصادية الرشيدة.
وأكد أحمد رفعت أن الدين لا يتحول إلى أزمة إلا في حالتين رئيسيتين، الأولى عندما تتجاوز أعباء خدمة الدين قدرة الدولة على توليد الناتج المحلي، والثانية عندما تفقد الدولة القدرة على السداد، موضحًا أن غياب هاتين الحالتين يعني أن الاقتصاد ما زال في نطاق آمن، حتى مع وجود مستويات مرتفعة من الاقتراض، مشيرًا إلى أهمية التمييز بين الدين المنتج والدين الاستهلاكي.
واستعرض رفعت تجربة مصر في السبعينيات بعد الانفتاح الاقتصادي، حيث وصلت نسبة الدين إلى أكثر من 108% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما وصفه بأنه مرحلة ضاغطة اقتصاديًا، مشيرًا إلى أن تلك الفترة شهدت تغيرات كبيرة في نمط الاستهلاك والاعتماد على الواردات، ما أثر على التوازن الاقتصادي العام، لكنه أكد أن التجارب التاريخية تظل جزءًا مهمًا من فهم تطور الاقتصاد الوطني.
الدين أداة تنموية وليس حكمًا بالفشل
وتابع الكاتب الصحفي أحمد رفعت، أن الاقتراض في حد ذاته ليس مؤشرًا سلبيًا، بل أداة اقتصادية تُستخدم وفق رؤية الدولة وقدرتها على الإدارة، كما شدد على أن الحكم على السياسات الاقتصادية يجب أن يكون من خلال النتائج على الأرض، وليس من خلال الأرقام المجردة، مؤكدًا أن هناك فارقًا كبيرًا بين دولة تقترض لبناء المستقبل، وأخرى تقع في أزمة ديون غير قابلة للإدارة.

