من شبرا إلى قمة المجد...سيدة المسرح العربي رحلة إبداع ترفض الغياب
في ذكرى رحيل الفنانة القديرة سميحة أيوب، لا يبدو المشهد كذكرى وفاة تقليدية لرحيل جسد، بل يتجلى كقراءة استرجاعية عميقة في دفتر الأثر الإبداعي الذي تركته امرأة لم تكن مجرد ممثلة عابرة، بل كانت مؤسسة فنية متحركة صاغت ملامح المسرح العربي الحديث بجرأة واقتدار، وبين أروقة المسرح القومي العتيق الذي شهد صولاتها وجولاتها، لا يزال صدى صوتها الرخيم المميز يتردد في الأنحاء، مؤكداً أن غياب الجسد لا يعني بأي حال من الأحوال غياب القيمة، حيث نجحت هذه الفنانة في كسر الصورة النمطية للمرأة على الشاشة والخشبة، وقدمت عبر مسيرتها الطويلة نموذجاً فريداً للفنان المثقف المشتبك مع قضايا مجتمعه بوعي ومسؤولية.
من أروقة شبرا إلى قمة المجد وكسر القوالب الاجتماعية
ولدت سميحة أيوب في حي شبرا العريق، وفي زمن كان خروج الفتاة فيه للمجال الفني تحدياً أشبه بالمعجزة وصدمة للمحيط الاجتماعي، خاضت معركتها الأولى بقوة لتثبت أن الفن رسالة وليس مجرد وسيلة للمرور العابر، ولم تكتفِ بالموهبة الفطرية بل صقلتها بالدراسة الأكاديمية والتعمق في المعهد العالي للفنون المسرحية .
تتلمذت على يد رواد الفن والمسرح وفي مقدمتهم الرائد زكي طليمات الذي تنبأ لها بمستقبل استثنائي، وتجاوزت أيوب فكرة النجمة بمفهومها التجاري الاستهلاكي، لتصبح بمثابة صوت النص المكتوب، حيث تنقلت بسلاسة مذهلة بين الكلاسيكيات العالمية لرواد الأدب مثل شيكسبير وسارتر وإبسن، وبين الواقعية المصرية العميقة في نصوص سعد الدين وهبة ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم، وكان هذا التنوع يمثل مشروعاً تنويرياً متكاملاً يستهدف الارتقاء بوعي الجمهور والنهوض بالثقافة العامة.
ورغم أن اللقب الذي لازمها طوال مسيرتها وكان فخراً لها هو سيدة المسرح العربي، وهو اللقب السامي الذي منحه إياها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد تقديراً لمكانتها الإقليمية، إلا أن رصيدها السينمائي والتلفزيوني يحمل ذات الوزن القيمي الجاد، فلم تبذل الفن يوماً في أعمال هامشية، وكانت خياراتها تخضع دائماً لشرط قاسي يتعلق بمدى الإضافة التي يقدمها العمل للمجتمع، وفي المسرح تركت بصمات لا تمحى في عروض خالدة مثل سكة السلامة والخديوي ودماء على أستار الكعبة.
بينما تنوع أداؤها السينمائي بين الكوميديا الهادفة في تيتة رهيبة والدراما التاريخية والدينية في فجر الإسلام وأرض النفاق، ليمتد هذا الحضور الطاغي إلى الشاشة الصغيرة من خلال شخصيات درامية حفرت في الذاكرة الجمعية مثل دورها الأيقوني في مسلسل الضوء الشارد وأميرة في عابدين وأوان الورد.
حين تقود المرأة دفة المسرح القومي
ولم يتوقف عطاء سميحة أيوب الثري عند حدود الأداء التمثيلي الفردي أمام الجمهور، بل دخلت التاريخ الثقافي من أوسع أبوابه كأول امرأة تتولى إدارة المسرح القومي المصري في فترتين تاريخيتين هامتيين، وفي تلك المرحلة المفصلية تحولت من فنانة تنفذ رؤية المخرج إلى قائدة تصنع السياسة الثقافية وتوجه البوصلة الفنية نحو آفاق جديدة.
وخلال فترة إدارتها شهد المسرح حالة غير مسبوقة من الانتعاش الفكري، حيث فتحت الباب على مصراعيه للمخرجين الشباب، ودعمت النصوص الجريئة التي تناقش التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة، ويرى نقاد ومؤرخون بحيادية تامة أن مرحلة إدارتها كانت بمثابة العصر الذهبي الثاني للمسرح الرسمي، حيث توازنت فيها القيمة الفنية النخبوية مع الإقبال الجماهيري الواسع.
أبعد من رحيل مادي وتحول الاسم إلى منهج تعليمي ملهم
وفي ذكرى غيابها اليوم، يتضح للجميع أن سميحة أيوب لم ترحل بالمعنى الإبداعي أو الثقافي، فإن اسمها الذي أُدرج في المناهج التعليمية المصرية الحديثة كرمز من رموز الفن والتنوير، يعكس رغبة مؤسسية ومجتمعية حقيقية في تخليد هذا النموذج الملهم للأجيال القادمة، وإن الاحتفاء بذكراها في الوقت الحالي ليس مجرد بكاء تقليدي على الأطلال أو رثاء عابر، بل هو محاولة جادة لقراءة كيفية صناعة الفنان المثقف الملتزم بقضايا وطنه، لقد غابت الست أصيلة وغابت صانعة البهجة الجدة الصارمة، لكن الأسلوب الأدائي الرصين، والالتزام المهني الصارم، والقدرة الفائقة على التجدد ومواكبة العصور، تظل دروساً مستمرة تنهل منها الأجيال الجديدة التي تبحث عن موطئ قدم راسخ على خشبة الفن والحياة، لتبقى سميحة أيوب دائماً الرمز المضيء الذي لا يطويه النسيان ولا تغيره الأيام.