رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التاريخ ليس سجلاً يمكن لأحد أن يكتب فيه ما يشاء وفقاً للأهواء.. التاريخ شاهد لا ينام ولا يغفو.. وهو ذاكرة حية..  تزن المواقف بميزان العدل المطلق.. في الأيام الأخيرة.. شهدت الأوساط القانونية والإعلامية ضجيجاً صاخباً وصراعاً عبثياً حول إرث الأستاذ الراحل فريد الديب.. بين مدّعين ينسبون لأنفسهم عبقريته مستغلين رحيله.. ومدافعون يحيطونه بهالة من التقديس المبالغ فيه.. وكأن المحاماة عقِمت من بعده.

انطلاقاً من المسؤولية العقلية والقانونية..  وأمام هذا الصخب.. لزم الحديث بلسان العقل والوقار.. لإنزال الأمور منازلها الطبيعية دون إفراط أو تفريط.

المحاماة في جوهرها رسالة.. والنجاح والتميز والشهرة فيها هي في المقام الأول أرزاق يقسمها الله سبحانه وتعالى بين عباده... والقاعدة الذهبية التي يجب أن يعيها كل جيل: "الثقة بالنفس بعد التوكل على الله والرضا بما كتبه الله سبحانه وتعالى".. فكم من جهابذة وفطاحل في تاريخ المحاماة المصرية امتلكوا من العمق الفقهي والقدرة القانونية ما يفوق أسماءً رنانة.. لكنهم آثروا العمل في محراب العدالة دون ضجيج.. وبعهم لم تخدمهم الظروف والمنصات الإعلامية ليتصدروا المشهد. فالتميز بشريّ.. والشهرة والصيت "قسمة ونصيب".. والعبقرية ليست حكراً على أحد.

ولعل أكبر دليل يكشف زيف المزايدات الحالية في حق العبقري الراحل فريد الديب .. ويعرّي تجار "التريند" من كافة الأطراف.. هو استدعاء محطات تاريخية من حياة الرجل.. وعلى رأسها قضية الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام.

حين ارتضى فريد الديب تولي الدفاع في هذه القضية.. انطلقت في وجهه سهام التخوين والجلد الأخلاقي من كل حدب وصوب.. وهجم عليه المجتمع والنقابة والوجدان الشعبي.. وصوّروه كأنه شريك في الجرم.. متناسين ألف باء القانون وبند الدستور الصارم بأن "حق الدفاع مقدس".. وأن المحامي لا يتبنى قضية المتهم الأخلاقية وإنما يراقب سلامة تطبيق القانون عليه.

من سخرية الأقدار .. أن ذات المدارس والأصوات التي كانت تنهش في وطنية الرجل ومهنيته وقتها.. هي نفسها اليوم التي تتمسح بعباءته.. وتبكي على رحيله.. وتصنع منه أسطورة معصومة لتقبع تحت أضواء شهرته!.. وانتهجوا نهج الأقزام الذين فشلوا في أن يصبحوا عمالقة.. فاعتلوا أكتاف عمالقة راحلين.

من باب الوفاء لروح زملائنا وشيوخنا.. نقدم خالص الرثاء والعزاء لأسرة الأستاذ فريد الديب مع التأكيد على احترام قيمته القانونية وحضوره الاستثنائي الذي حفر مكانه في وجدان المهنة.

من منطلق الاحترام لقيمة وقامة الراحل.. واتساقًا مع مبادئ عاش حياته عليها وموضوعية نذر نفسه ليها.. نستخدام "مشرط الجراح" –إن حق لنا- لتوضيح بعض الأمور للمزايدين من الطرفين دون استثناء.. بعضهم انتظروا مواراة الرجل الثرى.. وإن كان عائشًا بين الثرية.. ليخرجوا ببطولات زائفة يدّعون فيها أنهم كانوا العقول المدبرة وراء مذكراته ومرافعاته.. في مسلك يفتقر للمروءة وأمانة الفرسان..فالعمل المؤسسي وتجهيز الملفات في المكاتب الكبرى أمر بديهي.. لكن البصمة والقرار والمسؤولية كانت للراحل الفقيد وحده دون غيره.

على النقيض الذين اتخذوا من صورية الدفاع عن إرث الرجل وسيلة للظهور وتجميع "اللايكات" وصناعة معارك وهمية.. فصوّروه كأنه فوق البشر لا يخطئ، وهو تفخيم يسيء لاسم الراحل ويظهره وكأنه في حاجة لمعاركهم الصبيانية ليظل حياً في الذاكرة.

ختاماً.. "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً".. فريد الديب كان بشراً من بني البشر.. مثل البشر يصيب ويخطئ.. اجتهد فنال من الشهرة ما قدره الله سبحانه وتعالى واستحقه فريد الديب عن جدارة.. وحماية كرامة مهنة المحاماة تقتضي منا نزع هذه "الهالات المصنوعة"، وإغلاق هذا الدفتر العبثي. وعلى شباب المحامين ألا يقعوا في فخ تقليد "النجومية الإعلامية".. بل عليهم بناء الذات بالتوكل والرضاء والاجتهاد والعرق والمشقة.. ليعلموا أن ميزان المحامي الحقيقي هو علمه وأمانته وجهده أمام منصة القضاء.. وليس صراخ المزايدين في ساحات "التريند".. رحم الله فريد الديب.. وأسكنه فسيح جناته.. وحفظ الله للمحاماة وقارها ورسالتها السامية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء