رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

نجيب سرور.. شاعر التمرد الذي انتهت حياته داخل مستشفى الأمراض العقلية

نجيب سرور
نجيب سرور

في مثل هذا اليوم الأول من يونيو عام 1932، تحل ذكرى ميلاد الشاعر المصري نجيب سرور، أحد أبرز الأصوات الشعرية والمسرحية في تاريخ الأدب العربي الحديث، والذي ارتبط اسمه بالتمرد على الواقع السياسي والاجتماعي، وبالمواقف الصدامية مع الأنظمة المتعاقبة، إلى جانب إنتاج أدبي ومسرحي اتسم بالجرأة واللغة المباشرة والطرح النقدي الحاد، ما جعله واحدًا من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في المشهد الثقافي المصري خلال القرن العشرين.

ولد نجيب سرور، واسمه الحقيقي محمد نجيب محمد هجرس، في قرية إخطاب التابعة لمركز أجا بمحافظة الدقهلية، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة كان لها تأثير واضح على تكوينه النفسي والفكري، حيث انعكست تفاصيل الحياة الريفية بما تحمله من قسوة اجتماعية وتفاوت طبقي في وعيه المبكر، وهو ما ظهر لاحقًا في كتاباته التي انحازت بشكل واضح إلى الفقراء والبسطاء، وركزت على نقد السلطة والظلم الاجتماعي.

من الحقوق إلى المسرح

بدأ نجيب سرور مسيرته التعليمية بالالتحاق بكلية الحقوق، قبل أن يتجه إلى معهد الفنون المسرحية، وهو التحول الذي شكل نقطة فارقة في حياته، حيث وجد في المسرح مساحة للتعبير عن رؤيته الفكرية والسياسية والاجتماعية بشكل أكثر حرية وعمقًا، كما بدأ في تلك المرحلة في تطوير أدواته الفنية، سواء على مستوى الكتابة الشعرية أو بناء النص المسرحي القائم على الصراع الاجتماعي المباشر.

وفي إطار تطوره الأكاديمي والفني، حصل على بعثة إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة الإخراج المسرحي، وهي تجربة أضافت إلى تكوينه الثقافي بعدًا جديدًا، كما عمل لاحقًا في قسم الإذاعة العربية بمدينة بودابست بالمجر، قبل أن تنتهي تلك المرحلة بخلافات سياسية مرتبطة برفضه الانخراط في مواقف اعتبرها مناهضة لمصر خلال فترة العدوان الثلاثي، وهو ما أدى إلى تعقّد وضعه هناك وعودته لاحقًا إلى البلاد في ظروف سياسية وإنسانية معقدة.

عودة إلى مصر وبدايات الحضور المسرحي المؤثر

بعد عودته إلى مصر، بدأ نجيب سرور مرحلة جديدة من نشاطه الثقافي والمسرحي، حيث اندمج في العمل الفني داخل المؤسسات المسرحية المختلفة، وشارك في الكتابة والإخراج والتمثيل، وقدم أعمالًا مسرحية حملت طابعًا اجتماعيًا وسياسيًا واضحًا، عكست اهتمامه بقضايا الفلاح المصري، والمثقف، وصراعات السلطة، إضافة إلى نقد البنية الاجتماعية التقليدية.

وشهدت هذه المرحلة بروز اسمه في الوسط الثقافي، خاصة مع ارتباطه بأعمال مسرحية لاقت اهتمامًا نقديًا واسعًا، من بينها نصوص تناولت الواقع المصري بعد الاستعمار، وتفاعلت مع التحولات السياسية الكبرى في تلك الفترة، بما في ذلك تداعيات نكسة يونيو 1967، وما صاحبها من أزمة فكرية وثقافية انعكست بقوة على كتاباته.

"ياسين وبهية".. المسرح كمرآة للواقع الاجتماعي

يعد نص "ياسين وبهية" الذي كتبه نجيب سرور عام 1964 من أهم أعماله المسرحية وأكثرها تأثيرًا، حيث قدم من خلاله معالجة درامية عميقة لمأساة الفلاح المصري، عبر شخصيات تعيش صراعًا بين الفقر والظلم الاجتماعي والسلطة المحلية، في إطار درامي يحمل أبعادًا رمزية وإنسانية في الوقت نفسه، وقد ساهم المخرج كرم مطاوع في تقديم النص على خشبة المسرح بشكل عزز من حضوره وتأثيره لدى الجمهور، كما قدم أعمالًا مسرحية أخرى مثل "آه يا ليل يا قمر" التي تناولت مقاومة الاستعمار، و"قولوا لعين الشمس" التي عكست أزمة المثقف المصري بعد نكسة 1967، إلى جانب مجموعة من النصوص المسرحية والشعرية التي تم تقديمها على مسارح الدولة، والتي اتسمت جميعها بنبرة احتجاجية واضحة ورؤية نقدية حادة للواقع السياسي والاجتماعي.

حياة فكرية صدامية ومواقف سياسية حادة

ارتبط اسم نجيب سرور طوال مسيرته بحياة فكرية صدامية، حيث عمل في أكثر من موقع ثقافي وفني، من بينها المسرح الشعبي ومؤسسات إنتاج وتدريس الفنون المسرحية، وشارك في الحياة الثقافية بوصفه شاعرًا وناقدًا وكاتبًا ومخرجًا وممثلًا، وهو ما جعله شخصية متعددة الأدوار داخل المشهد الفني المصري، كما دخل في صدامات متكررة مع السلطات السياسية، ما أدى إلى تعرضه لرقابة شديدة، وفترات من الاعتقال والمعاناة، إضافة إلى أزمات نفسية لاحقة أثرت على مسار حياته، خاصة في سنواته الأخيرة، حيث انعكست تلك الضغوط على كتاباته التي أصبحت أكثر حدة وتشاؤمًا، وأكثر تعبيرًا عن الإحساس بالاغتراب والرفض للواقع القائم.

"بروتوكولات حكماء ريش".. رؤية نقدية للعالم والسلطة

يعد كتاب "بروتوكولات حكماء ريش" من أبرز أعماله المتأخرة، حيث ضم مجموعة من النصوص الشعرية والمسرحية التي حملت طابعًا فلسفيًا ورمزيًا، وقدم من خلالها رؤية نقدية للعالم والسلطة والحرية، مستخدمًا لغة تجمع بين السخرية والتهكم والطرح الفكري العميق، ما يعكس تطور تجربته الأدبية نحو مزيد من التعقيد الفني والرمزي، كما كتب خلال تلك المرحلة عددًا من المقاطع الشعرية التي اتسمت بنبرة حادة ومشحونة بالتشاؤم، معبرة عن صراع داخلي بين المثقف والواقع السياسي والاجتماعي، وهو ما جعل أعماله في تلك الفترة تحمل طابعًا تأمليًا أكثر قتامة مقارنة ببداياته الأدبية.

انتهت حياة نجيب سرور بشكل مأساوي عام 1978 عن عمر ناهز 47 عامًا، حيث توفي داخل مستشفى الأمراض العقلية بعد سنوات من المعاناة النفسية والاضطرابات الحياتية، ليغادر المشهد الأدبي تاركًا خلفه إرثًا إبداعيًا كبيرًا لا يزال حاضرًا في الدراسات النقدية والمسرحية حتى اليوم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء