رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أبكى الملايين وعاش وحيداً.. محطات لا تُنسى من رحلة المتمرد نجيب سرور

المسرحي  نجيب سرور
المسرحي نجيب سرور

تحل اليوم ذكرى ميلاد أحد أكثر الأصوات الإبداعية إثارة للجدل والدهشة في تاريخ الأدب والمسرح العربي المعاصر، الشاعر والمسرحي المصري نجيب سرور. ولد سرور في ثلاثينيات القرن الماضي بقرية "إخطاب" بمحافظة الدقهلية، وهي البيئة الريفية التي استمد منها لاحقاً مفردات مشروعه الإبداعي ولغته الشعرية شديدة الخصوصية. ومنذ نعومة أظفاره، أظهر سرور شغفاً استثنائياً بالقراءة والاطلاع، وتأثراً واضحاً بالحركات الفكرية والسياسية التي سادت مصر في تلك الحقبة، مما ساهم في صياغة عقلية نقدية حادة لا تقبل المساومة، وترى في الفن أداة للتغيير الاجتماعي والاشتباك المباشر مع قضايا الواقع الإنساني.

المسرح الملحمي وإعادة قراءة الوجدان الشعبي

شكلت مرحلة أواخر الخمسينيات منطلقاً فارقاً في مسيرته الاحترافية، حيث سافر في بعثة دراسية إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة الإخراج المسرحي. وهناك, في قلب المدارس الفنية الكلاسيكية والحديثة، تبلورت رؤية سرور الإخراجية والنقدية، حيث تشرب تقنيات المسرح الملحمي وأفكار كبار المخرجين الروس. ومع ذلك، لم يكن سرور مجرد متلقٍ، بل وظف تلك الأدوات الغربية لإعادة قراءة الموروث الشعبي المصري. وتجلت هذه العبقرية بعد عودته في نصوص مسرحية أحدثت هزة في بنية المسرح العربي، ومن أبرزها "يا بهية وخبريني" و"آه يا ليل يا قمر" و"قولوا لعين الشمس"، وهي أعمال مزجت بين التراجيديا الإغريقية والروح المصرية الخالصة.

قصيدة الرفض والانتصار لآلام المهمشين

على الجانب الآخر من المسرح، كان نجيب سرور شاعراً من طراز فريد، إذ اتسمت قصائده بنبرة درامية عالية ومواجهة شرسة مع الوجود. تميزت دواوينه، مثل "التراجيديا الإنسانية" و"لزوم ما يلزم"، بجرأة لغوية قادرة على اختراق المسكوت عنه، حيث عبر عن آلام المهمشين والفقراء، مصوراً صراع الفرد الأعزل ضد آلات القمع والتهميش. ويصف النقاد لغته الشعرية بأنها "لغة دافئة وموجعة في آن واحد"، حيث تخلت عن الزخارف اللفظية التقليدية لصالح الصورة الحية والكلمة الصادقة التي تحاكي نبض الشارع والمقهى وقلق المثقف العربي المعذب بأسئلة الهوية والحرية.

فاتورة الاستقلال وضريبة الاغتراب داخل الوطن

لم تكن حياة نجيب سرور منفصلة عن نتاجه الفني؛ بل كانت حياته نفسها تجسيداً حياً لأبطال مسرحياته التراجيدية. فبسبب مواقفه الحادة والصدامية التي لم تداهن السلطة أو المؤسسات الفنية التقليدية، تعرض لسلسلة من الأزمات الإدارية والمالية التي أدت إلى إقصائه تدريجياً من المشهد الثقافي الرسمي. وعاش سنواته الأخيرة في شبه عزلة واغتراب داخل وطنه، متنقلاً بين المحافظات والمقاهي، في وقت بدأت فيه صحته النفسية والجسدية بالتراجع. هذه المعاناة الإنسانية المركبة أضفت على نصوصه المتأخرة مسحة من العدمية والسخط، لكنها في الوقت ذاته منحتها خلوداً من نوع خاص، كشهادة حية على محنة المبدع في مواجهة واقعه.

في ذكرى ميلاده، يتضح للوسط النقدي والأكاديمي أن نجيب سرور لم يكن مجرد عابر في تاريخ الثقافة العربية، بل كان ظاهرة إبداعية عصية على التكرار. إن قراءة أعماله اليوم، سواء الشعرية أو المسرحية، تكشف عن استشراف مبكر للعديد من الأزمات الاجتماعية والسياسية المعاصرة. ويظل إرثه الفني ملهماً للأجيال الجديدة من المسرحيين والشعراء الذين يجدون في "الظاهرة السرورية" نموذجاً للفنان الملتزم بقضايا أمته، والمستعد لدفع أثمان باهظة مقابل الحفاظ على استقلالية كلمته وحرية خياله، ليبقى اسمه محفوراً كأحد أبرز فرسان الكلمة في العصر الحديث.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء