إيهاب السعيد:الحجم الحقيق للتمويل الاستهلاكي في مصر أقل كثيرًا من المتداول
أكد الخبير الاقتصادي إيهاب السعيد أن الجدل المتزايد حول التمويل الاستهلاكي في مصر خلال الفترة الأخيرة يستوجب التفرقة بين البيانات الفعلية والقراءات غير الدقيقة التي تم تداولها بشأن حجم السوق وعدد المستفيدين منه، مشيرًا إلى أن بعض الأرقام المتداولة قد تعطي انطباعات غير صحيحة عن واقع القطاع.
وأوضح السعيد أن النقاش الدائر حول التمويل الاستهلاكي جاء في ظل مخاوف من انعكاسات الأوضاع الاقتصادية والمعيشية على معدلات الاقتراض والتمويل، إلا أن تقييم الوضع بشكل موضوعي يتطلب الاعتماد على البيانات الرسمية والتفريق بين الأنشطة المالية المختلفة الخاضعة للرقابة.
حقيقة حجم التمويل الاستهلاكي في مصر
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن بعض التقديرات المتداولة تحدثت عن وصول حجم التمويل الاستهلاكي في مصر إلى نحو 1.4 تريليون جنيه، إلا أن هذا الرقم لا يعبر عن التمويل الاستهلاكي وحده، بل يشمل إجمالي التمويلات والأنشطة المالية غير المصرفية الخاضعة لإشراف الهيئة العامة للرقابة المالية.
وأضاف أن سوق رأس المال وحده يساهم بجزء كبير من هذه القيمة من خلال إصدارات الأسهم وزيادات رؤوس الأموال وتأسيس الشركات، وهو ما يجعل إدراجها ضمن التمويل الاستهلاكي أمرًا غير دقيق.
وأوضح أن حجم التمويل الاستهلاكي الفعلي بنهاية عام 2025 بلغ نحو 96 مليار جنيه فقط، بينما بلغ حجم التمويل متناهي الصغر مستوى مماثلًا تقريبًا، ليصل إجمالي النشاطين إلى نحو 192 مليار جنيه.
ماذا تتضمن قيمة الـ417 مليار جنيه؟
ولفت السعيد إلى أن الرقم البالغ 417 مليار جنيه، والذي جرى الاستناد إليه في بعض المناقشات، لا يقتصر على التمويل الاستهلاكي، وإنما يشمل عدة أنشطة تمويلية أخرى داخل القطاع المالي غير المصرفي.
وأوضح أن هذا الرقم يتكون من:
- نحو 192 مليار جنيه للتمويل الاستهلاكي والتمويل متناهي الصغر.
- حوالي 150 مليار جنيه للتأجير التمويلي الموجه للشركات والمصانع.
- ما يقرب من 50 مليار جنيه لنشاط التخصيم.
- نحو 25 مليار جنيه للتمويل العقاري.
وأكد أن جمع هذه الأنشطة المختلفة في رقم واحد قد يؤدي إلى تكوين صورة غير دقيقة عن حجم التمويل الاستهلاكي الحقيقي داخل السوق المصرية.
عدد المستفيدين أقل بكثير من الأرقام المتداولة
وفيما يتعلق بعدد المتعاملين في نشاط التمويل الاستهلاكي، أوضح إيهاب السعيد أن الحديث عن استفادة 64 مليون مواطن من هذا النشاط لا يعكس الواقع الفعلي للسوق.
وأشار إلى أن العدد الحقيقي للمستفيدين من التمويل الاستهلاكي لا يتجاوز نحو 11 مليون مواطن، وفق البيانات المتاحة، مضيفًا أن رقم 64 مليون مواطن يعود في الأساس إلى مؤشرات الشمول المالي التي أعلنها البنك المركزي المصري سابقًا، والتي تشمل المواطنين الذين يمتلكون حسابات مصرفية أو محافظ إلكترونية أو بطاقات دفع إلكتروني أو بطاقات صرف معاشات وبرامج الدعم الاجتماعي.
وأكد أن هذه المؤشرات تعبر عن انتشار الخدمات المالية وليس عن عدد المستفيدين من التمويل الاستهلاكي بشكل مباشر.
عدد شركات التمويل الاستهلاكي في مصر
كما نفى السعيد صحة الأرقام التي تشير إلى وجود نحو 2500 شركة تمويل استهلاكي في السوق المصرية، موضحًا أن هذا العدد يمثل إجمالي الشركات والمؤسسات العاملة في مختلف الأنشطة المالية غير المصرفية الخاضعة للرقابة.
وأوضح أن عدد شركات التمويل الاستهلاكي المرخص لها يبلغ 48 شركة فقط، بالإضافة إلى 12 مؤسسة ومتجرًا حاصلين على تراخيص لتقديم الخدمة.
وفي قطاع التمويل متناهي الصغر، فأشار إلى وجود 23 شركة متخصصة، إلى جانب نحو 500 جمعية أهلية تعمل في المجال بعد أن قامت الهيئة العامة للرقابة المالية بمراجعة أوضاع الجمعيات وشطب عدد كبير منها لعدم استيفاء الاشتراطات والضوابط التنظيمية.
المخاوف الحقيقية تتعلق بتوريق الديون
وأكد الخبير الاقتصادي أن المخاوف التي أثيرت مؤخرًا بشأن القطاع لا ترتبط بحجم التمويل الاستهلاكي ذاته بقدر ارتباطها بملف توريق الديون وإعادة توظيفها داخل الأسواق المالية.
وأوضح أن هذه القضية تستدعي المتابعة الدقيقة لضمان الحفاظ على التوازن بين التوسع في التمويل وتحقيق مستويات آمنة من إدارة المخاطر، بما يحافظ على استقرار القطاع المالي غير المصرفي ويدعم استدامة نموه.
أكد السعيد على ضرورة الاعتماد على الأرقام الرسمية والتفرقة بين الأنشطة المالية المختلفة عند تقييم أوضاع السوق، مشيرًا إلى أن التمويل الاستهلاكي يمثل أحد الأدوات المهمة لدعم النشاط الاقتصادي والاستهلاك، لكن تحليل تطوراته يجب أن يتم في إطار شامل ودقيق يعكس الحجم الحقيقي للنشاط بعيدًا عن الخلط بين المؤشرات المختلفة.
وأضاف أن وضوح البيانات ودقة تفسيرها يساعدان صناع القرار والمستثمرين على تقييم الأوضاع الاقتصادية بصورة أكثر موضوعية، واتخاذ قرارات مبنية على معلومات صحيحة وموثوقة.