سامح محجوب: الإذاعة المصرية صنعت الوجدان العربي وأطلقت صوت التحرر
قال سامح محجوب، مدير بيت الشعر العربي، إن عبارة «هنا القاهرة» ليست مجرد افتتاح إذاعي، بل هي لحظة تأسيس لوعي ثقافي وصوت وطني ظل ممتدًا عبر العقود، مؤكدًا أنها صارت علامة دالة على ميلاد الإذاعة المصرية كأول إذاعة كبرى في الشرق الأوسط وإفريقيا.
وأضاف عبر صفحتة الرسمية على “ فيسبوك” أن المصريين سمعوا للمرة الأولى في تمام الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة من يوم 31 مايو 1934 تلك الجملة التاريخية بصوت المذيع والطيار والممثل أحمد سالم، مشيرًا إلى أن هذا الافتتاح شكّل حدثًا فارقًا في تاريخ الإعلام العربي، قبل أن يرحل سالم لاحقًا في ظروف مأساوية أثارت الكثير من الجدل.
وتابع أن البث الافتتاحي حمل طابعًا احتفاليًا غير مسبوق، إذ صدح القارئ الشيخ محمد رفعت بآيات من الذكر الحكيم، ثم قدمت أم كلثوم إحدى أشهر أغنياتها المبكرة «إن كنت أسامح وأنسى الأسية»، لافتًا إلى أنها حققت انتشارًا واسعًا ووزعت منها ملايين الأسطوانات عند صدورها.
وأعرب محجوب عن أن الحفل الافتتاحي تتابعت فقراته بين الغناء والإنشاد والقراءة، حيث شارك كل من صالح عبد الحي ومحمد عبد الوهاب، ثم قرأ حسين أفندي شوقي قصيدة لوالده أمير الشعراء أحمد شوقي، كما ألقى الشاعر علي الجارم قصيدة في مدح الملك فؤاد، قبل أن يقدم المنولوجست محمد عبد القدوس فقرة فنية، ويختتم الموسيقيان مدحت عاصم وسامي الشوا بفاصل موسيقي.
انطلاق الإذاعة
وأشار إلى أن الإذاعة انطلقت من مبناها الأول بشارع الشريفين بجوار البورصة المصرية، قبل انتقالها لاحقًا إلى مبناها الحالي في ماسبيرو عام 1960، موضحًا أن تشغيلها في سنواتها الأولى جرى بإشراف شركة ماركوني الإيطالية مقابل نسبة من عائدات التراخيص.
وأوضح أن لجنة ثقافية وعلمية تولت الإشراف على برامجها برئاسة الدكتور علي باشا إبراهيم، فيما تولى رئاستها الأولى سعيد باشا لطفي، لافتًا إلى أن تلك البدايات جاءت في سياق مشروع وطني متكامل ارتبط بآثار ثورة 1919، التي دفعت نحو تمصير المؤسسات وتطوير الذوق العام في مجالات الثقافة والفنون.
وأكد أن الإذاعة المصرية لعبت لاحقًا دورًا محوريًا في تشكيل الوعي العربي والمصري، وأسهمت في دعم حركات التحرر، مشيرًا إلى أن إذاعة «صوت العرب» كانت تبث رسائل موجهة إلى قيادات الثورة الجزائرية، إلى جانب دورها في بناء الوجدان الثقافي والفني لعقود طويلة.
وتابع أن عبارة «هنا القاهرة» اكتسبت مع الزمن دلالات أعمق عبر أصوات مفكرين كبار مثل طه حسين والعقاد من خلال أحاديثهم الإذاعية، معتبرًا أن الإذاعة تحولت إلى منصة وطنية كبرى لصناعة الفكر والفن والهوية.
وأضاف أن تأثير الإذاعة امتد إلى تشكيل أجيال كاملة، معربًا عن استعادته لتجربته الشخصية مع الراديو منذ الطفولة، حين كان يتابع الأخبار والمسلسلات وأصوات الغناء عبر جهاز صغير، وصولًا إلى تجارب لاحقة مع تسجيلات إذاعية مشتركة، مؤكدًا أن الإذاعة كانت طقسًا يوميًا لصياغة الذوق والوعي.
واختتم سامح محجوب بأن «هنا القاهرة» ستظل جملة منيرة وعظيمة في الذاكرة العربية، مشددًا على أنها رمز للريادة الثقافية والإعلامية، وأن القاهرة ستبقى ـ كما قال ـ منارة للفن والفكر وصوتًا عصيًا على الكسر أو التغييب.