بعد إعلان السيطرة عليها.. ما هي قلعة الشقيف وأهميتها الاستراتيجية؟
أعادت العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في جنوب لبنان تسليط الضوء على قلعة الشقيف، أو ما يعرف باسم "قلعة بوفور"، بعد إعلان جيش الاحتلال السيطرة عليها ضمن توسيع عملياته البرية شمال نهر الليطاني.
وتعد القلعة واحدة من أبرز المعالم التاريخية والعسكرية في الجنوب اللبناني، إذ جمعت على مدى قرابة تسعة قرون بين الأهمية الأثرية والقيمة الاستراتيجية، لتتحول من حصن صليبي قديم إلى موقع تنازعت عليه الجيوش والفصائل المسلحة خلال العقود الأخيرة.

موقع استراتيجي يهيمن على الجنوب
تقع قلعة الشقيف في محافظة النبطية جنوب لبنان، بالقرب من بلدة أرنون، على ارتفاع يقارب نحو 700 متر فوق سطح البحر، فوق منحدر صخري شديد الانحدار يطل على نهر الليطاني ومناطق واسعة من الجنوب اللبناني وشمال فلسطين المحتلة.
ويمنح موقعها الجغرافي قدرة على مراقبة مساحات واسعة تمتد نحو النبطية والقطاع الشرقي من الجنوب اللبناني، وهو ما جعلها على الدوام نقطة عسكرية ذات أهمية استثنائية.
تاريخ يمتد إلى عصر الحملات الصليبية
تعرف القلعة عالميا باسم "Beaufort Castle"، بينما يطلق عليها محليا "قلعة الشقيف" أو "شقيف أرنون". وتشير المصادر التاريخية إلى أن الموقع كان محصنا قبل وصول الصليبيين، إلا أن البناء الرئيسي للقلعة يعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، بعدما سيطر عليها الملك فولك، ملك القدس، عام 1139، وبدأ الصليبيون في تطويرها لتصبح واحدة من أهم قلاعهم الدفاعية في بلاد الشام.
وخلال الحروب الصليبية، تعرضت القلعة لسلسلة من المعارك والحصارات، أبرزها حصار القائد صلاح الدين الأيوبي لها عام 1189، قبل أن تنتقل لاحقا بين السيطرة الصليبية والإسلامية أكثر من مرة.
وفي عام 1268 تمكن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس من السيطرة عليها نهائيا، لتدخل بعدها مرحلة جديدة من تاريخها تحت الحكم الإسلامي.
معلم أثري ضمن قائمة التراث العالمية التمهيدية
تصنف قلعة الشقيف ضمن أبرز القلاع التاريخية في منطقة جبل عامل، وأدرجت ضمن الملف اللبناني المقدم إلى القائمة التمهيدية للتراث العالمي التابعة لمنظمة UNESCO، باعتبارها نموذجا فريدا للتفاعل المعماري بين الحضارات الصليبية والأيوبية والمملوكية عبر قرون طويلة.
كما تعرضت القلعة لأضرار كبيرة خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، قبل أن تبدأ أعمال ترميم وصيانة عقب انسحاب إسرائيل عام 2000.

موقع عسكري
اكتسبت القلعة بعدا عسكريا جديدا حين استخدمتها منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1976 كنقطة عسكرية متقدمة بسبب موقعها المرتفع.
وخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 شهدت القلعة واحدة من أشهر المعارك بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين، قبل أن تسيطر عليها إسرائيل وتحولها إلى قاعدة عسكرية متقدمة استمرت حتى انسحابها من جنوب لبنان عام 2000.
وخلال سنوات الاحتلال تعرض الموقع لعشرات الهجمات والقصف المتبادل، ما تسبب في أضرار واسعة ببنية القلعة التاريخية.
لماذا تتمسك إسرائيل بالقلعة؟
لا تكمن القيمة الحقيقية لقلعة الشقيف في رمزيتها التاريخية فحسب، بل في موقعها الذي يتيح مراقبة التحركات العسكرية في مساحة واسعة من جنوب لبنان.
كما تمنح السيطرة عليها أفضلية ميدانية للقوات المنتشرة في محيط نهر الليطاني والنبطية، فضلا عن إشرافها على عدد من الطرق والمحاور الحيوية التي تربط مناطق الجنوب اللبناني ببعضها.
وفي العملية الأخيرة، أعلن جيش الاحتلال أن السيطرة على القلعة جاءت ضمن خطة لتوسيع نطاق عملياته شمال الليطاني واستهداف البنية العسكرية التابعة لحزب الله، بينما اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الموقع يمثل أحد أهم المرتفعات الاستراتيجية المرتبطة بأمن مستوطنات الجليل شمال إسرائيل.
السيطرة الإسرائيلية
أعلنت إسرائيل، الأحد، أن قواتها سيطرت على قلعة الشقيف بعد عدة أيام من العمليات البرية والاشتباكات المدعومة بغطاء جوي ومدفعي، في أعمق توغل داخل الأراضي اللبنانية منذ أكثر من ربع قرن.
وأفادت تقارير دولية بأن القوات الإسرائيلية عبرت نهر الليطاني وسيطرت على المرتفعات المحيطة بالقلعة، فيما قتل جندي إسرائيلي وأصيب آخرون خلال المعارك. كما اعتبرت وسائل إعلام دولية أن السيطرة على القلعة تمنح الجيش الإسرائيلي نقطة مراقبة متقدمة تطل على مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال إسرائيل.