رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"هنا القاهرة.. الدواء فيه سم قاتل" هكذا خلد الفن 92 عاماً من عمر الإذاعة

إيجبتكِ

شهدت القاهرة في مثل هذا اليوم من عام 1934 حدثاً تاريخياً غير ملامح الحياة الثقافية والاجتماعية في المنطقة العربية بأسرها، حيث انطلقت العبارة الشهيرة "هنا القاهرة" برصانة واثقة من حنجرة المذيع أحمد سالم لتعلن ميلاد الإذاعة اللاسلكية الحكومية المصرية. ولم يكن هذا الجهاز السحري مجرد أداة لنقل الأخبار السياسية أو إذاعة البيانات الرسمية، بل تحول منذ اللحظات الأولى لبثه إلى رفيق يومي للمواطن المصري وصانع أساسي للوعي والوجدان الشعبي. ومع مرور العقود، نجحت الإذاعة في فرض نفسها كمنبر أول لكبار المبدعين والمفكرين والمطربين، مما جعلها مادة درامية دسمة التقطتها عدسات المخرجين وصناع السينما والتلفزيون لتوثيق هذا الأثر الممتد عبر الشاشات.

الشاشة الفضية ترصد الراديو كبطل ومحرك للأحداث الدرامية

تفاعلت السينما المصرية مبكراً مع ظاهرة الإذاعة وتعاملت معها كعنصر درامي شديد الثراء والفاعلية في تحريك مصائر الشخصيات، حيث ظهر الميكروفون في العصر الذهبي للسينما كبوابة سحرية لتحقيق أحلام الشهرة والنجومية والنجاح. ويتجلى هذا التناول بوضوح في فيلم "شارع الحب" عام 1958 الذي قدم قصة صعود مطرب ناشئ يجد في موجات الأثير طوق النجاة الوحيد لإيصال صوته إلى الملايين ونيل اعتراف المجتمع بموهبته، مثلما ركز فيلم "صوت من الماضي" عام 1956 على تفاصيل كواليس العمل الإذاعي وأهمية نبرة الصوت في أسر قلوب المستمعين وخلق روابط إنسانية قوية معهم.

أما الذروة الدرامية لتوظيف الإذاعة في تاريخ السينما العربية، فقد تجسدت في روائع المخرج كمال الشيخ بفيلم "حياة أو موت" عام 1954، والذي لم تكن الإذاعة فيه مجرد وسيلة ترفيه، بل تحولت إلى طوق النجاة الوحيد لإنقاذ حياة إنسان. فمن خلال النداء الإنساني الشهير والمؤثر الذي رددته أمواج الأثير: "إلى أحمد إبراهيم القاطن بدير النحاس.. لا تشرب الدواء الذي أرسلت ابنتك لشرائه.. الدواء فيه سم قاتل"، أثبت الفيلم القوة الجبارة للإذاعة المصرية وقدرتها على الوصول إلى كل بقعة من أرض مصر في ثوانٍ معدودة، لتتحول محطة الإرسال إلى شريك رسمي لرجال الشرطة والمجتمع في رحلة حبس الأنفاس لإنقاذ الأب.
ولم تقتصر السينما على الجانب الإنساني والتراجيدي، بل وظفت الراديو كأداة اجتماعية وكوميدية تعكس مدى تغلغل هذا الجهاز داخل البيوت المصرية وارتباط الأسر بحكاياته ومؤثراته الفنية. 

ففي فيلم "الزوجة 13" عام 1962، نرى كيف تحول الراديو والمسلسلات الإذاعية إلى حيلة ذكية استخدمتها البطلة للتأثير على مشاعر زوجها وإقناعه بوجود ظواهر غريبة حوله مستغلة شغف الناس بالمؤثرات الصوتية الإذاعية، بينما قفز الراديو إلى ذروة الكوميديا في فيلم "سر طاقية الإخفاء" عام 1959 عندما استغل البطل قدرته على الاختفاء ليدخل استوديو البث المباشر ويفضح عصابة الأشرار على الهواء مباشرة أمام الأمة بأسرها.

الدراما التلفزيونية تغوص في كواليس العصر الذهبي للميكروفون

إذا كانت السينما قد ركزت في الأغلب على الراديو كجهاز مادي أو كفكرة ملهمة، فإن الدراما التلفزيونية غاصت في عمق الاستوديوهات المغلقة ووثقت بتفصيل شديد حياة صناع هذا المجد من مذيعين ومخرجين ومؤلفين كبار. وظهرت الإذاعة المصرية في المسلسلات التلفزيونية كشاهد عيان على التحولات السياسية والوطنية الكبرى، مثلما تجسد في مسلسل "أم كلثوم" عام 1999 الذي استعرض كيف كان بيان ثورة يوليو وحفلات كوكب الشرق الشهرية عبر الأثير يجمعان الأمة العربية من المحيط إلى الخليج في لحظات تاريخية فارقة.

كما سلط التلفزيون الضوء على التأثير الثقافي الجماهيري للإذاعة من خلال أعمال تناولت سير المبدعين، مثل مسلسل "العندليب حكاية شعب" عام 2006 الذي أبرز كواليس المنافسة الفنية الشرسة وضجة المسلسلات الإذاعية الرمضانية التي كانت تفوق في جذبها ما تحققه الشاشات الآن، بالإضافة إلى مسلسل "حارة اليهود" عام 2015 الذي أظهر الراديو كعضو أساسي وصديق في كل منزل يجتمع حوله الجيران لمعرفة أخبار الحرب والسلام مما يؤكد أن الإذاعة كانت وما زالت صانعة الرأي العام الأولى في التاريخ الحديث.

من موجات الأثير إلى الشاشة الفضية رحلة الإبداع المشترك

تثبت القراءة المتأنية لتاريخ الفن المصري أن العلاقة بين الإذاعة والشاشات لم تكن مجرد تناول درامي متبادل، بل كانت الإذاعة بمثابة المغذي الأول والمختبر الفني التمهيدي الذي تخرجت منه أعظم روائع التلفزيون والسينما. فالكثير من الحكايات التي حققت نجاحاً ساحقاً بصرياً كانت في الأصل نصوصاً إذاعية حققت نسب استماع قياسية خلف المايكروفون، قبل أن تنتقل إلى البث المرئي وتخلد في ذاكرة الجمهور العربي مثل فيلم "شنبو في المصيدة" عام 1968، وفيلم "أفواه وأرانب" عام 1977 الذي حرك المجتمع، ومسلسل "دموع في عيون وقحة" عام 1980 الذي استند إلى ملفات المخابرات وولد أولاً من رحم الأثير الإذاعي.

صوت مصر الثقافي والفني يتحدى التطور الرقمي

يبقى يوم الحادي والثلاثين من مايو من كل عام مناسبة فريدة للاحتفاء بصوت مصر الثقافي والفني الذي لم يخفت بريقه على مر العقود، فرغم التطور التكنولوجي الهائل وظهور المنصات الرقمية الحديثة والبودكاست، تظل جملة هنا القاهرة متمتعة بسحر خاص وجاذبية لا تنطفئ. لقد وثقت الشاشات السينمائية والتلفزيونية الإذاعة كرمز أصيل لزمن الفن الجميل، وذكرت الأجيال المتعاقبة بأن هذا الصندوق الخشبي القديم سيبقى دائماً نبض الشعب الحي وصوت الوطن الذي لا يغيب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء