التضخم يربك حسابات الفيدرالي.. وتحول مفاجئ في توقعات الفائدة الأمريكية
عادت احتمالات رفع أسعار الفائدة الأمريكية إلى الواجهة مجددًا، بعدما أبدى عدد من مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مخاوف متزايدة من أن تؤدي الحرب في الشرق الأوسط وما نتج عنها من اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد إلى موجة تضخمية جديدة قد تدفع البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وتشير التصريحات الأخيرة الصادرة عن كبار مسؤولي الفيدرالي إلى تحول ملحوظ في تقييم المخاطر الاقتصادية، بعدما كانت التوقعات السائدة قبل اندلاع الحرب تميل إلى خفض أسعار الفائدة، في ظل مؤشرات على تباطؤ الضغوط التضخمية، إلا أن ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار حالة عدم اليقين العالمية أعادا سيناريو رفع الفائدة إلى دائرة النقاش بقوة.
توقعات أسعار الفائدة
وكان من أبرز المؤشرات على هذا التحول تصريحات ميشيل بومان، نائبة رئيس الاحتياطي الفيدرالي للإشراف المصرفي، والتي تعرف بأنها من أكثر أعضاء البنك المركزي ميلًا إلى التيسير النقدي.
وأكدت بومان أن استمرار الحرب وما نتج عنها من صدمة في أسواق الطاقة قد يدفعها إلى إعادة تقييم موقفها بشأن مسار أسعار الفائدة، مشيرة إلى أن تأثيرات الصراع على الاقتصاد والتضخم ما زالت غير واضحة بشكل كامل، إلا أن استمرار الاضطرابات خلال النصف الثاني من العام قد يؤدي إلى آثار أوسع وأكثر استدامة على مستويات الأسعار.
وأوضحت أن أي ارتفاع طويل الأمد في تكاليف الطاقة قد يغير من توازن المخاطر الاقتصادية ويستدعي إعادة النظر في السياسات النقدية الحالية، في إشارة واضحة إلى إمكانية دعم رفع أسعار الفائدة إذا استمرت الضغوط التضخمية.
مخاوف متزايدة من التضخم
وتزداد مخاوف مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي من أن تتحول صدمة الطاقة الحالية إلى عامل دائم يغذي التضخم، خاصة أن معدلات التضخم لا تزال أعلى من المستهدف الرسمي للبنك المركزي البالغ 2%.
وفي هذا السياق، حذر رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، من التسرع في استبعاد خيار رفع الفائدة، مؤكدًا أن استمرار ارتفاع التضخم واحتمال فقدان توقعات الأسعار لاستقرارها يمثلان مصدر قلق متزايد لصناع السياسة النقدية، وأشار إلى أن الوقت ما زال مبكرًا لاتخاذ قرار بشأن رفع الفائدة بشكل فوري، إلا أن التطورات الحالية تستدعي متابعة دقيقة للمخاطر التضخمية المتزايدة.
الأسواق تراهن على رفع الفائدة
تعكس تحركات الأسواق المالية هذا التحول في التوقعات، إذ بات المستثمرون يرجحون أن تكون الخطوة التالية للاحتياطي الفيدرالي هي رفع سعر الفائدة الأساسي من مستواه الحالي الذي يتراوح بين 3.50% و3.75%، وتتزايد الرهانات على إمكانية اتخاذ هذه الخطوة قبل نهاية العام، إذا استمرت الضغوط التضخمية الحالية أو شهدت أسعار الطاقة موجة صعود جديدة نتيجة استمرار التوترات الجيوسياسية.
ورغم تصاعد المخاوف التضخمية، لا يزال هناك تباين في وجهات النظر داخل الاحتياطي الفيدرالي بشأن الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي، فقد أكدت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، آنا بولسون، أن السياسة النقدية الحالية لا تزال مناسبة في ظل البيئة الاقتصادية الراهنة، لكنها شددت في الوقت نفسه على جاهزية البنك المركزي للتحرك إذا اقتضت الظروف ذلك.
وأشارت إلى أن الأسواق يجب أن تضع في الحسبان سيناريو استمرار أسعار الفائدة الحالية لفترة طويلة، إلى جانب احتمالات اللجوء إلى مزيد من التشديد إذا استمرت الضغوط التضخمية.
في المقابل، بدت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، أكثر حذرًا تجاه فكرة رفع الفائدة في الوقت الراهن، مؤكدة أنه لا توجد ضرورة عاجلة لتعديل السياسة النقدية، وأن الوضع الحالي يسمح بمراقبة التطورات الاقتصادية قبل اتخاذ أي قرارات جديدة.
تظل أسعار النفط العامل الأكثر تأثيرًا في توقعات السياسة النقدية الأمريكية خلال المرحلة المقبلة، فبحسب مسؤولي الفيدرالي، فإن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب قد يؤدي إلى انتقال الضغوط التضخمية إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد، بما في ذلك الخدمات والنقل والإنتاج.
ورغم تراجع أسعار النفط في نهاية الأسبوع على خلفية تقارير عن تمديد الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران لمدة 60 يومًا إضافية، فإن حالة عدم اليقين ما تزال تسيطر على الأسواق، وهو ما يدفع الفيدرالي إلى إبقاء جميع الخيارات مطروحة.
وأكدت ماري دالي أن أي ارتفاع تدريجي ومستدام في أسعار النفط سيؤدي إلى إعادة تقييم التوقعات الاقتصادية والتضخمية، خاصة إذا بدأت الشركات في تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين عبر زيادة أسعار الخدمات والسلع.
بيانات التضخم تعزز القلق
زاد من مخاوف الاحتياطي الفيدرالي صدور بيانات جديدة أظهرت ارتفاع أحد المؤشرات الأساسية للتضخم إلى 4% خلال أبريل، مقارنة بـ3.5% في مارس، وهو ما يعكس استمرار الضغوط السعرية الكامنة داخل الاقتصاد الأمريكي.
كما أظهرت البيانات تسارع وتيرة ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما يشير إلى أن معركة الفيدرالي ضد التضخم لم تنته بعد، وأن مخاطر عودة الضغوط التضخمية أصبحت أكثر وضوحًا في ظل التطورات الجيوسياسية الحالية.
وبينما لا يوجد قرار وشيك بشأن رفع أسعار الفائدة، فإن الرسالة الأساسية الصادرة عن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أصبحت أكثر وضوحًا: إذا استمرت الحرب في دفع أسعار الطاقة والتضخم إلى مستويات أعلى، فإن البنك المركزي الأمريكي قد يجد نفسه مضطرًا للعودة إلى تشديد السياسة النقدية مجددًا، حتى لو كان ذلك على حساب وتيرة النمو الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.