في ذكرى رحيله.. كريستوفر مارلو.. العبقري المتمرد الذي مهد الطريق لشكسبير
تحل في 30 مايو ذكرى رحيل الكاتب المسرحي الإنجليزي Christopher Marlowe، أحد أبرز أعلام المسرح الإليزابيثي وأكثرهم إثارة للجدل، والذي انتهت حياته بصورة غامضة ومأساوية عام 1593 وهو في التاسعة والعشرين من عمره، بعد أن قُتل إثر شجار في إحدى الحانات، ليبقى اسمه حاضرًا باعتباره واحدًا من أهم المبدعين الذين أسهموا في تشكيل المسرح الإنجليزي الحديث.
وُلد مارلو عام 1564 في مدينة Canterbury، وهو العام نفسه الذي شهد ميلاد William Shakespeare، و كان والده صانع أحذية بسيطًا، لكن الابن أظهر تفوقًا دراسيًا لافتًا أهّله للحصول على منح تعليمية قادته إلى جامعة University of Cambridge، حيث نال درجة البكالوريوس عام 1584.
أثارت حياة مارلو كثيرًا من التساؤلات، خاصة بعد غيابه المتكرر عن الجامعة خلال فترة دراسته.
وتشير وثائق تاريخية إلى احتمال عمله لصالح أجهزة الاستخبارات في عهد Queen Elizabeth I، وهو ما يفسر تدخل مستشاري الملكة لمنحه درجة الماجستير رغم اعتراض بعض مسؤولي الجامعة.
دخل مارلو عالم المسرح بقوة من خلال مسرحيته الشهيرة Tamburlaine the Great التي أحدثت ثورة في استخدام الشعر المرسل على خشبة المسرح الإنجليزي.
قدمت المسرحية نموذج البطل الطموح الذي يسعى إلى السلطة بلا حدود، وهو الموضوع الذي سيصبح سمة بارزة في أعماله اللاحقة.
وخلال سنوات قليلة، كتب مجموعة من المسرحيات التي رسخت مكانته بين كبار الأدباء، من أبرزها The Jew of Malta، وDoctor Faustus، وEdward II، وفي هذه الأعمال تناول قضايا الطموح الإنساني والصراع بين السلطة والأخلاق والرغبة في المعرفة، بلغة شعرية قوية جعلته يُلقب بـ«صاحب السطر العظيم».
وتُعد مسرحية «الدكتور فاوستوس» أشهر أعماله على الإطلاق، إذ تروي قصة العالم الذي يبيع روحه للشيطان مقابل المعرفة والقوة، وهي قصة تحولت إلى إحدى أشهر الأساطير الأدبية في التراث الغربي.
كما برع مارلو في الشعر والترجمة، فقدم ترجمات لأعمال الشاعر الروماني Ovid، وكتب قصائد ما زالت تحظى باهتمام النقاد والباحثين حتى اليوم.
لكن حياة الكاتب الشاب انتهت فجأة في ظروف غامضة، ففي مايو 1593، وبعد اتهامات بالهرطقة والخيانة، وُضع تحت المراقبة قبل أن يلقى مصرعه بطعنة خلال مشاجرة في منزل بمدينة Deptford.
أثارت ملابسات وفاته جدلًا واسعًا بين المؤرخين، إذ رأى بعضهم أن مقتله ربما كان مرتبطًا بأعماله الاستخباراتية أكثر من كونه مجرد شجار عابر.
ورغم رحيله المبكر، ترك كريستوفر مارلو أثرًا بالغًا في تاريخ الأدب الإنجليزي، حتى إن كثيرًا من النقاد يرون أن موهبته الاستثنائية مهدت الطريق أمام شكسبير، وأن المسرح الإنجليزي كان يمكن أن يشهد مسارًا مختلفًا لو امتد به العمر سنوات أخرى، ولذلك يبقى مارلو، بعد أكثر من أربعة قرون على وفاته، رمزًا للعبقرية المتمردة التي جمعت بين الشعر والمسرح والغموض في سيرة واحدة لا تزال تثير الدهشة حتى اليوم.