"السلام الذي رفضته الشعوب.. أسرار رفض اتفاقيات أبراهام"
في قلب الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الرمال مع التاريخ والدم، برزت اتفاقيات إبراهيم أو إبراهام في صيف 2020، كلحظة فارقة يُروَّج لها على أنها "فجر جديد" للسلام والازدهار.
طائرات إسرائيلية تهبط في مطارات خليجية، وأعلام ترفرف جنباً إلى جنب، ووعود اقتصادية وتكنولوجية تتدفق بسرعة البرق، لكن تحت هذا السطح اللامع، كان هناك صوت آخر صوت أقوى وأعمق صوت الشعوب العربية.
رغم الدعم الحكومي في الدول الموقعة، أظهرت الشعوب العربية رفضاً واسعاً لاتفاقيات إبراهام، يعكس هذا الرفض مزيجاً من العواطف التاريخية، الالتزام بالقضية الفلسطينية، والمخاوف السياسية والأخلاقية، استطلاعات الرأي المتعددة تؤكد أن الأغلبية الساحقة من العرب تعارض التطبيع دون تقدم ملموس نحو دولة فلسطينية.
الأسباب الرئيسية للرفض الشعبي
الارتباط بالقضية الفلسطينية كقضية عربية جماعية
يعتبر معظم العرب أن القضية الفلسطينية ليست شأناً فلسطينياً محلياً، بل قضية عربية وإسلامية مشتركة، يرى الكثيرون أن التطبيع بدون حل عادل يمثل "خيانة" للفلسطينيين وتخلياً عن مبدأ التضامن العربي.
استطلاع مؤشر الرأي العربي 2022 (المركز العربي للأبحاث): 84% من العرب يعارضون الاعتراف الدبلوماسي بإسرائيل، ارتفع هذا الرقم إلى 89% في استطلاعات لاحقة بعد حرب غزة.
في السعودية: ارتفع الرفض من 38% عام 2022 إلى 68%.
في المغرب: من 67% إلى 78%.
عدم تضمين حل الصراع الفلسطيني
انتقدت اتفاقيات إبراهام لأنها اتبعت نهج "خارج - داخل" (outside-in)، حيث يتم التطبيع أولاً دون ربطه بحل الدولتين أو الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 1967، كما نصت عليه مبادرة السلام العربية 2002.
وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس الاتفاقيات بـ"طعنة في الظهر". أدى استمرار الاستيطان والحصار على غزة، ثم حرب 2023-2025، إلى تعزيز هذا الرفض.
استطلاعات الرأي في الدول المقترحة
تظهر الاستطلاعات رفضاً شعبياً حتى في الدول المعنية مباشرة:
نسبة الرفض التقريبية للاتفاقيات تبعا لمعهد واشنطن 2022:
- الإمارات 71%
- البحرين 76%
- السعودية 75-76%
- المغرب انخفاض الدعم من 31% إلى 13% بعد أكتوبر 2023
- مصر والأردن 84%
أما في لبنان ودول أخرى، وصل الرفض "الشديد" إلى 66%.
4. الأبعاد الثقافية والتاريخية
الهوية والتضامن: يُنظر إلى التطبيع كتنازل عن جزء من الهوية العربية-الإسلامية، خاصة مع استمرار السيطرة على المقدسات في القدس.
الثقة في إسرائيل: يرى الكثيرون أن إسرائيل لا تلتزم بوعود السلام، مستشهدين بخطط الضم في الضفة الغربية وتصريحات سياسيين إسرائيليين متطرفين.
التأثير بعد 7 أكتوبر: أدت الحرب في غزة إلى انخفاض حاد في التأييد للتطبيع، حتى في دول الاتفاقيات، بسبب الصور الإنسانية والخسائر الفلسطينية.
مخاوف سياسية داخلية
في دول مثل الأردن (ذات الأغلبية الفلسطينية الأصل) ومصر، يرتبط الرفض بالمخاوف من الاضطرابات الداخلية والرأي العام. يُتهم بعض الحكومات بقمع المعارضة لدعم التطبيع.
الاستثناءات والفروقات
بعض الشباب في دول الخليج يبدون انفتاحاً نسبياً على التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، لكن هذا لا يترجم إلى قبول سياسي شامل.
في استطلاعات محدودة، أظهر الفلسطينيون أنفسهم (خاصة في غزة والقدس) نسب إيجابية أعلى نسبياً تجاه التأثير الإقليمي، لكنهم يشعرون بالإهمال من الحكومات العربية.
تداعيات التطبيع
يعكس رفض الشعوب العربية لاتفاقيات إبراهيم عمق الالتزام بالقضية الفلسطينية كعنصر مركزي في الوعي الجماعي، رغم الفوائد الاقتصادية والأمنية للحكومات، يظل الرأي العام عائقاً أمام توسع التطبيع، خاصة بدون تقدم حقيقي في حل الدولتين أو وقف الاستيطان.
يحذر مراقبون من أن تجاهل هذا الرفض قد يؤدي إلى توترات داخلية أو تراجع في الشرعية الشعبية للحكومات. في الوقت نفسه، تظل المبادرة العربية للسلام 2002 إطاراً مرجعياً رئيسياً لأي تطبيع مستقبلي مستدام.