رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين رهبة المقدس وسحر المسرح.. الحرم المكي يفرض قواعده على الخشبة

إيجبتكِ

ليست كل الأماكن قابلة للتجسيد فوق خشبة المسرح. فهناك رموز تتجاوز حدود الديكور والسينوغرافيا لتدخل منطقة أكثر حساسية وتعقيدًا، حيث يلتقي الإيمان بالفن، والروح بالصورة. وفي مقدمة هذه الرموز يأتي الحرم المكي الشريف والكعبة المشرفة، بوصفهما من أكثر الأماكن حضورًا في الوجدان الإسلامي، وأصعبها في التناول المسرحي.

فعلى مدار تاريخ المسرح العربي، بدا الاقتراب من مكة المكرمة أقرب إلى مغامرة فنية دقيقة، حاول خلالها الكُتّاب والمخرجون استحضار رهبة المكان دون الوقوع في المباشرة، فاختاروا الرمز بدلًا من التجسيد، والإيحاء بدلًا من المحاكاة الكاملة.

عندما استلهم المسرح روح التراث الإسلامي

مع بدايات المسرح العربي الحديث، اتجه عدد من الرواد إلى استحضار التاريخ العربي والإسلامي داخل النصوص الشعرية والمسرحية، وكان أحمد شوقي من أبرز من قادوا هذا الاتجاه ،وفي أعماله المسرحية، ومنها مجنون ليلى عام 1931، حضرت البيئة العربية القديمة بما تحمله من أبعاد ثقافية وروحية، دون تقديم الحرم المكي بوصفه عنصرًا بصريًا مباشرًا داخل العرض.

ومنذ تلك المرحلة، تشكلت داخل المسرح العربي حساسية واضحة تجاه تجسيد الأماكن المقدسة، فابتعد المخرجون عن بناء نماذج واقعية للكعبة المشرفة، معتمدين بدلًا من ذلك على المؤثرات الصوتية والإنشاد والإضاءة الخافتة لصناعة حالة وجدانية تلامس روح المشاهد أكثر مما تخاطب عينه.

 

المسرح الصوفي.. حين تحولت الروح إلى لغة بصرية

ومع تطور المسرح التجريبي في النصف الثاني من القرن العشرين، اتجهت العروض العربية إلى مستويات أكثر رمزية وتجريدًا، خاصة مع صعود المسرح الصوفي والشعري.

ويبرز هنا اسم صلاح عبد الصبور عبر مسرحيته الشهيرة مأساة الحلاج الصادرة عام 1964، التي ناقشت أسئلة الحرية واليقين والتجربة الروحية العميقة.

ورغم أن النص لا يتناول مكة أو الحرم الشريف بشكل مباشر، فإن العديد من العروض المستلهمة لهذا الاتجاه اعتمدت على الحركة الدائرية للممثلين، والإيقاعات الصوتية، وبقع الضوء المتحركة، لصناعة صورة بصرية تستدعي الطواف والبحث الروحي دون أي تجسيد صريح للمكان المقدس.

وبذلك، تحولت الخشبة إلى مساحة للتأمل أكثر من كونها إعادة تمثيل للواقع، وهو ما منح المسرح العربي قدرة خاصة على التعامل مع المقدس بحذر جمالي وفكري.

التكنولوجيا الحديثة تمنح المسرح بعدًا جديدًا

في السنوات الأخيرة، شهدت المملكة العربية السعودية والخليج العربي عمومًا توسعًا كبيرًا في العروض الثقافية والبصرية ذات الطابع التاريخي والتراثي، خاصة مع التطور اللافت في تقنيات الصورة والمؤثرات الرقمية.

وضمن فعاليات مهرجان الجنادرية، الذي انطلق عام 1985، ظهرت عروض تستخدم الإسقاطات الضوئية والشاشات العملاقة لاستحضار العمارة الإسلامية والمشاهد التاريخية المرتبطة بالحرمين الشريفين، في محاولة لدمج التكنولوجيا بالهوية الثقافية والدينية.

ويرى مهتمون بالمسرح البصري أن هذه التقنيات الحديثة أتاحت تقديم صورة أكثر شاعرية للمكان المقدس، دون الحاجة إلى تجسيده بشكل مباشر، وهو ما حافظ على خصوصيته الروحية ومنح العروض بعدًا بصريًا معاصرًا.

مكة في المسرح العالمي.. حضور رمزي يتجاوز الجغرافيا

ولم تتوقف رمزية مكة عند حدود المسرح العربي، بل امتدت إلى أعمال عالمية استخدمت اسمها أو دلالتها الروحية للتعبير عن الرحلة الإنسانية والبحث عن الذات ،ومن أبرز تلك الأعمال مسرحية The Road to Mecca، التي عُرضت لأول مرة عام 1984، للكاتب أثول فوجارد، حيث استُخدمت “مكة” كرمز للتحرر الداخلي والبحث عن النور الروحي، لا كمكان ديني يُقدَّم بصورة مباشرة.

كما تناولت بعض العروض الغربية والآسيوية فكرة الحج باعتبارها تجربة إنسانية عابرة للثقافات، تذوب فيها الفوارق الاجتماعية والعرقية، وتتحول فيها الرحلة إلى لحظة مواجهة مع الذات.

بين قدسية المكان وحرية الإبداع

وربما تكمن خصوصية تناول الحرم المكي في المسرح في أن الفن هنا لا يسعى إلى إعادة بناء المكان بقدر ما يحاول التقاط أثره النفسي والروحي داخل الإنسان.

ففي أغلب التجارب المسرحية العربية، لم تكن الكعبة المشرفة عنصرًا بصريًا حاضرًا فوق الخشبة، بل كانت إحساسًا خفيًا يتسلل عبر الموسيقى، والصوت، والإضاءة، وحركة الجموع.

وبين رهبة المقدس وسحر المسرح، يظل الحرم الشريف واحدًا من أكثر الرموز التي دفعت الفنانين إلى البحث عن لغة جديدة، لغة تستطيع الاقتراب من الروح دون أن تمس قدسية المكان

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء