رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يوم عرفات وجبل الرحمة.. أسرار التسمية وقصة المكان الأشهر بالحج

إيجبتكِ

في التاسع من ذي الحجة من كل عام، يتحول صعيد جبل عرفات إلى مشهد استثنائي تتوحد فيه القلوب والوجوه واللغات تحت سماء واحدة، حيث يقف ملايين المسلمين في أكثر لحظات الحج قدسية وتأثيرًا، مرددين الدعاء والتلبية في يوم وصف بأنه الركن الأعظم للحج، اليوم الذي تتجرد فيه الأرواح من صخب الدنيا، ويصبح المشهد كله أقرب إلى لوحة إنسانية وروحية هائلة تتكرر منذ قرون طويلة دون أن تفقد رهبتها أو تأثيرها.

في هذا اليوم، تتجه أنظار العالم الإسلامي إلى السهل الواسع شرق مكة المكرمة، حيث يقف الحجاج حتى غروب الشمس في مشهد مهيب ارتبط في الوعي الإسلامي بخطبة الوداع التي ألقاها النبي محمد، بينما يبقى جبل الرحمة المطل على عرفات حاضرًا في ذاكرة المسلمين باعتباره أحد أشهر معالم الحج وأكثرها ارتباطًا بالدعاء والسكينة والدموع التي تنهمر طلبًا للمغفرة والرحمة.

الجبل الذي ارتبط بأعظم أيام المسلمين

يقع جبل عرفات داخل سهل واسع تحيط به الجبال من جهات عدة، ويبعد نحو 18 كيلومترًا عن المسجد الحرام، فيما يرتفع عشرات الأمتار عن الأرض المحيطة به، تعلو قمته شاخصة بيضاء أصبحت من أشهر الصور المرتبطة بالحج عبر العقود. وعلى الرغم من الزحام الهائل الذي يشهده الجبل سنويًا، يؤكد العلماء أن الصعود إليه ليس فرضًا ولا من واجبات الحج، إذ إن الوقوف بعرفات يتحقق بوجود الحاج داخل حدود المشعر حتى غروب الشمس.

ومع مرور الزمن، اكتسب الجبل مكانة خاصة في الوجدان الإسلامي، ليس فقط لارتباطه بالحج، وإنما بسبب ما يحمله من رمزية روحية كبيرة، حتى أصبح يعرف بين الناس بأسماء عديدة مثل «جبل الرحمة» و«جبل الدعاء» و«جبل التوبة».

وتروي كتب التراث والسير أن هذا المكان ظل حاضرًا في ذاكرة المسلمين منذ صدر الإسلام، إذ ارتبط بالمشهد الذي وقف فيه النبي الكريم يخاطب المسلمين في حجة الوداع، في واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في التاريخ الإسلامي.

لماذا سمي بعرفات؟

ظل اسم «عرفات» محل تساؤلات وروايات متعددة عبر القرون، إذ نقلت كتب التراث الإسلامي تفسيرات كثيرة لمعنى الاسم وأصله.

ومن أشهر الروايات أن آدم وحواء التقيا في هذا المكان بعد هبوطهما إلى الأرض، فعرف كل منهما الآخر، ومن هنا جاءت التسمية، كما ذهبت روايات أخرى إلى أن الاسم ارتبط بتعارف الناس واجتماعهم في هذا الموضع من كل بقاع الأرض، إذ يجتمع الملايين من أعراق ولغات وثقافات مختلفة في يوم واحد وعلى أرض واحدة.

وهناك رواية أخرى تربط الاسم بالنبي إبراهيم، إذ يقال إن جبريل عليه السلام كان يعلمه مناسك الحج، وكان يسأله عند كل مشعر: «أعرفت؟»، فيجيبه إبراهيم: «عرفت»، حتى أصبح الاسم ملازمًا لهذا الموضع. كما رأى بعض العلماء أن الاسم يحمل معنى الاعتراف، في إشارة إلى اعتراف الحجاج بذنوبهم وطلبهم المغفرة والرحمة في هذا اليوم العظيم.

رحلة تبدأ قبل ملايين السنين

ورغم أن جبل عرفات ارتبط في أذهان المسلمين بالحج والدعاء وخطبة الوداع، فإن الدراسات العلمية الحديثة كشفت أن قصة هذا الجبل أقدم بكثير من التاريخ الإنساني نفسه، فقد توصلت أبحاث علمية إلى أن الصخور التي يتكون منها الجبل تعود إلى نحو تسعة ملايين سنة، أي إلى حقبة سحيقة شهدت تحولات ضخمة غيرت شكل المنطقة بالكامل.

وأظهرت الدراسات أن الجبل يتكون أساسًا من صخور نارية شديدة الصلابة تكونت في أعماق الأرض قبل ملايين السنين، عندما كانت المواد المنصهرة تبرد ببطء شديد تحت سطح الأرض، وهو ما أدى إلى تكوين الصخور الحالية الغنية بالمعادن البلورية، كما كشفت التحاليل وجود معادن طبيعية معروفة بانتشارها في التكوينات الصخرية القديمة غرب شبه الجزيرة العربية، وهو ما جعل الجبل جزءًا من السجل الطبيعي القديم للمنطقة.

كيف كشف العلماء عمر الجبل؟

اعتمد الباحثون على وسائل دقيقة لتحديد عمر الصخور، من بينها تقنية تقوم على تتبع آثار التحلل الطبيعي لبعض العناصر الموجودة داخل المعادن الدقيقة في الصخور. ومع مرور الزمن، تترك هذه العناصر آثارًا مجهرية متناهية الصغر، يستطيع العلماء رصدها وقياسها لمعرفة الفترة التي مرت منذ تشكل الصخور واستقرارها.

وأظهرت النتائج أن جبل عرفات يعود إلى فترة زمنية شهدت تغيرات كبرى في شكل شبه الجزيرة العربية، عندما بدأت اليابسة العربية تنفصل تدريجيًا عن القارة الأفريقية، وهي التحولات التي أدت لاحقًا إلى ظهور البحر الأحمر وتكون السلاسل الجبلية الممتدة غرب الجزيرة العربية.

ويعني ذلك أن الصخور التي يقف فوقها ملايين الحجاج اليوم تشكلت في زمن كانت فيه المنطقة كلها تمر بتحولات هائلة غيرت شكلها الجغرافي بالكامل، لتصبح هذه الصخور شاهدًا طبيعيًا على مرحلة فارقة من تاريخ الأرض.

صخور الجبل لا تمثل خطرًا على الحجاج

كما تناولت الدراسات طبيعة الصخور الموجودة في جبل عرفات ومدى احتوائها على عناصر مشعة طبيعية، وهي عناصر توجد عادة في الصخور الصلبة القديمة.

وأكد الباحثون أن المستويات الموجودة داخل صخور الجبل تقع ضمن الحدود الطبيعية الآمنة عالميًا، ولا تشكل أي أخطار صحية على الحجاج أو الزوار، رغم الملايين الذين يتوافدون إلى المكان كل عام، وأن هذه الصخور تنتمي إلى واحدة من أقدم التكوينات الصخرية في المنطقة، وهي التكوينات التي تمتد عبر مساحات واسعة غرب شبه الجزيرة العربية، وتعد جزءًا مهمًا من تاريخها الطبيعي القديم.

مشهد يتكرر منذ قرون

ظل جبل عرفات حاضرًا بقوة في كتب الرحالة والمؤرخين المسلمين، الذين وصفوا مشهد الوقوف بعرفة باعتباره واحدًا من أعظم مشاهد الاجتماع الإنساني في التاريخ.

وقد كتب الرحالة الأندلسي ابن جبير عن هذا المشهد واصفًا الناس وهم يقفون خاشعين باكين، ترتفع أصواتهم بالدعاء والتكبير في صورة تبقى عالقة في الذاكرة.

ورغم تغير الأزمنة وتعاقب القرون، ما زال المشهد نفسه يتكرر كل عام؛ ملايين البشر يأتون من كل أنحاء العالم، يحملون لغات مختلفة ووجوهًا وثقافات متعددة، لكنهم يقفون في اللحظة نفسها على الأرض ذاتها، بينما يبقى جبل الرحمة شاهدًا صامتًا على رحلة بدأت قبل ملايين السنين، وما زالت مستمرة حتى اليوم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء