بأوامر من ممداني.. راتب مليوني تتقاضاه خادمات الفنادق في نيويورك
لا يمكن تصور أجور خادمات فنادق نيويورك الذي أصبح يفوق بعض الموظفين بل وبعض المديرين في العديد من البلدان الأخرى، مما حدا بصحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية أن تصف أجورهم بأنها أعلى من مبتكري التكنولوجيا أهم قطاع إقتصادي في الكيان، وهذا لا يعود لرفاهية وثراء الفنادق ولكن للنظال العمالي الذي دعمه عمدة نيويورك الجديد زهران ممداني.
وأكدت الصحيفة، أنه بعد نضال عمالي مستمر حظي بدعم مباشر من رئيس البلدية ممداني، ووسط تهديدات بإضراب ضخم كان يهدد بشل حركة السياحة المحلية قبيل انطلاق بطولة كأس العالم (المونديال) - تم إقرار اتفاقية عمل جديدة مع أصحاب الفنادق في المدينة، وبموجب هذا الاتفاق، سيصل الراتب السنوي لعاملات غرف الفنادق إلى 100 ألف دولار أي ما يعادل 5 ملايين جنيه مصري، في المقابل، تبرز مخاوف جديّة من أن تنعكس هذه الزيادة الكبيرة في التكاليف على جيوب السياح والنزلاء.
قفزة تاريخية في الأجور لتفادي "شلل سياحي"

بفضل رياح إيجابية ودعم قوي من رئيس البلدية زهران ممداني، من المتوقع أن تقفز الأجور السنوية لعاملات غرف الفنادق في نيويورك بنسبة تتجاوز 50%، لتتخطى حاجز الـ 100 ألف دولار سنويًا، وهو ما يماثل الرواتب الممنوحة للموظفين المبتدئين في قطاعي التكنولوجيا والتمويل، وجاء هذا الإعلان من قِبل نقابة عمال الفنادق في المدينة في أعقاب المصادقة على اتفاقية عمل جديدة وملزمة مدتها ثماني سنوات صِيغت مع مالكي الفنادق.
وقد نجحت هذه الخطوة، في الرمق الأخير، في تجنب إضراب شامل كان من شأنه أن يشل قطاع السياحة المحلي عشية مباريات كأس العالم واحتفالات الذكرى الـ 250 لتأسيس الولايات المتحدة المقررة الصيف المقبل.
وتضمن الاتفاقية الجماعية قفزة بنسبة تتجاوز النصف في الأجر الأساسي، إلى جانب تمويل كامل للتأمين الصحي لـ 27 ألف عضو في النقابة وعائلاتهم. ويُوصف هذا الاتفاق بأنه الأهم في تاريخ النقابة التي تأسست قبل نحو قرن، وبفضله جرى تفادي ما كان يمكن أن يصبح أول إضراب لعمال الفنادق يشمل المدينة بأكملها منذ عام 1985.
"أخيرًا.. يمكنني التقاط أنفاسي"

وفقًا لبيانات النقابة، فإن الأجر بالساعة لعاملات الغرف في فنادق المدينة سيقفز من مستوى يقل عن 40 دولارًا حاليًا إلى أكثر من 61 دولارًا بحلول عام 2034. وخلال السنة السابعة من تطبيق الاتفاقية، سيتجاوز الراتب السنوي للموظفة بنظام الدوام الكامل حاجز الـ 100 ألف دولار، ليصل في السنة الأخيرة من العقد إلى نحو 110 آلاف دولار.
وجاءت المطالبة بهذه الزيادات في الأجور على خلفية الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة، حيث قفزت أسعار المستهلك في منطقة نيويورك خلال العام الماضي بنسبة 4.6%، وهو رقم أعلى بكثير من معدل التضخم الوطني الذي بلغ 3.8%.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس النقابة، ريتش ماروكو، قائلًا:"كانت زيادة الأجور تركيزنا الأساسي في هذا العقد، لأن تكلفة المعيشة لأعضائنا ارتفعت بشكل كبير وموجع".
من جانبها، علّقت مارينا غونزاليس، التي تعمل في تنظيف غرف الفنادق في منطقة "تايمز سكوير" منذ أكثر من 17 عامًا، قائلة: "أستطيع أخيرًا أن ألتقط أنفاسي. لم أعد مضطرة للاختيار بين دفع إيجار البيت أو شراء البقالة، وهذا الاتفاق يغير كل شيء بالنسبة لعائلتي".
مقارنة الأجور: عاملة النظافة تتفوق على المعلم والموظف
بحسب المعطيات الحالية، يبلغ متوسط الأجر السنوي العام في مدينة نيويورك نحو 75 ألف دولار، وفي المقابل، يتقاضى المعلمون المبتدئون في المدارس الحكومية بالمدينة، والذين يحملون شهادة البكالوريوس، نحو 63 ألف دولار سنويًا، ويحتاجون إلى سنوات طويلة من الأقدمية وشهادة الماجستير لتخطي حاجز الـ 100 ألف دولار. أما الموظفون في قطاعات التجزئة وخدمة العملاء فيكسبون عادة ما بين 35 ألف إلى 65 ألف دولار سنويًا فقط.
إن مستوى الأجر الجديد الممنوح لعاملات غرف الفنادق يضعهن في مرتبة قريبة جدًا من الوظائف المكتبية والتقنية، ويكاد يلامس الرواتب الافتتاحية لموظفي الهايتك والتمويل الذين يتقاضون ما بين 85 ألف إلى 95 ألف دولار عند بداية مسيرتهم المهنية.
ويأتي هذا الاتفاق في نيويورك بعد موجة إضرابات شهدتها المدينة شملت نقابة الممرضات، وهيئة التدريس في جامعة نيويورك، وموظفي السكك الحديدية، في وقت تشهد فيه بقية المدن الأمريكية مثل بوسطن، لوس أنجلوس، وسان فرانسيسكو إحباطات واحتجاجات مماثلة بين عمال الفنادق.
انتصار سياسي وقيود تنظيمية خانقة

أعرب رئيس بلدية نيويورك، زهران ممداني، الذي خاض حملته الانتخابية بناءً على برنامج يدعم حقوق العمال ويشجع النقابات، عن دعمه المطلق لمطالب العاملات ووقف إلى جانبهن طوال فترة الأزمة.
ومن الناحية السياسية، كانت نقابة عمال الفنادق قد دعمت في البداية أندرو كومو لمنصب رئيس البلدية، ولكن بعد خسارة الأخير في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، نقل قادة النقابة دعمهم إلى ممداني.
وصرح ممداني قائلًا:"أنا فخور بالوقوف كتفًا بكتف مع عمال الفنادق لدينا، هذا العقد هو انتصار لقطاع الضيافة، ولاقتصادنا، وللمدينة التي تعمل بأفضل شكل عندما يستطيع الأشخاص الذين يصونونها تحمل تكاليف العيش فيها".
إلى جانب الأجور، يشمل العقد الجديد حزمة تحسينات واسعة في ظروف العمل والرفاهية، ومنها برامج لدعم الصحة النفسية، وتطوير معدات الحماية، وإجازات عائلية وطبية مدفوعة الأجر.
من جهته، أشار فيجاي دانداباني، رئيس اتحاد الفنادق في نيويورك الذي يمثل أصحاب نحو 250 منشأة، إلى أن الاتفاق يوازن بين الضغوط الاقتصادية التي يواجهها العمال والواقع المعقد للقطاع.
وأكد أن قطاع الفنادق "فخور بالاستمرار في تقديم أعلى الأجور والمزايا في الولايات المتحدة"، لكنه شدد على أن الملاك يواجهون تحديات اقتصادية جمة تشمل التضخم والضرائب الثقيلة، فضلاً عن القوانين البلدية الصارمة مثل "قانون الفنادق الآمنة" الذي يحظر على الفنادق الكبيرة الاستعانة بمتعهدين خارجيين ويلزمها بالتوظيف المباشر لعمال النظافة والاستقبال.
ويرى أصحاب الفنادق أن هذا القانون يستهدف بالدرجة الأولى تسهيل ضم المزيد من العمال للنقابات وفرض عقود جماعية باهظة الثمن. بالإضافة إلى ذلك، يواجه القطاع ندرة في افتتاح الفنادق الجديدة بسبب لوائح تفرض الحصول على تصريح خاص لكل عملية بناء جديدة، ناهيك عن خسارة المدينة لنحو 20 ألف غرفة فندقية منذ جائحة كورونا، وللتعبير عن احتجاجهم، أطلق قطاع الفنادق مؤخرًا حملة إعلانية بقيمة نصف مليون دولار تحت عنوان "أنقذوا فنادق نيويورك".
مخاوف من قفزة الأسعار وتراجع حجوزات المونديال
يتوقع خبراء ومحللون اقتصاديون أن تترجم هذه الزيادة الحادة في تكاليف العمالة بشكل مباشر على أسعار الإقامة للسياح، وتعد نيويورك بالفعل المدينة الأغلى للإقامة الفندقية في الولايات المتحدة، حيث يبلغ متوسط سعر الليلة الواحدة نحو 334 دولارًا وبمعدل إشغال وصل إلى 84% العام الماضي.
ورغم هذه المؤشرات، كشف دانداباني عن أرقام مخيبة للآمال بشأن الحجوزات المبكرة لكأس العالم؛ إذ بلغت نسبة الحجوزات لشهر يونيو 18% فقط، و20% فقط لليلة المباراة النهائية. وأوضح مستشار قطاع الفنادق، دانيال ليسر، أن أصحاب العقارات سيضطرون لتعديل الأسعار، خاصة في مواسم الذروة، للحفاظ على ربحيتهم، مستدركًا بأن حدوث إضراب شامل خلال الصيف ولقاءات المونديال كان سيتسبب في "كارثة اقتصادية غير مسبوقة للمدينة بأكملها".
في المقابل، دحضت نقابة العمال المخاوف من ارتفاع الأسعار أو تراجع توظيف العمالة، مؤكدة أن "العمال الذين يحصلون على مكافآت عادلة ويشعرون بتقدير قيمتهم يستمرون في وظائفهم لفترات طويلة ويظهرون فخرًا أكبر بعملهم، وهذا أمر رائع للفنادق، وللنزلاء، ولمدينة نيويورك ككل".



