محمود الصباغ يكتب: اقتصاد الترند.. حين تتحكم الشاشة في السوق
لم تعد الأسواق تتحرك فقط وفق قوانين العرض والطلب، ولا وفق معدلات الإنتاج والتصدير وأسعار الفائدة وحدها.
هناك قوة جديدة أصبحت تتسلل بهدوء إلى الاقتصاد العالمي، قوة لا تقاس بالمصانع ولا بالذهب ولا حتى بالنفط، بل تقاس بعدد المشاهدات، وسرعة الانتشار، وقدرة صورة واحدة على إشعال رغبة جماعية في الاستهلاك أو الاستثمار أو حتى التقليد.
أًصبح الاقتصاد الذي لا يولد داخل البنوك المركزية بقدر ما يولد على شاشات الهواتف، حيث تتحول الرغبات إلى موجات، والمشاعر إلى قرارات مالية، والخوف من التأخر إلى محرك اقتصادي كامل.
في الماضي، كان الناس يشترون ما يحتاجونه، أما اليوم، ففي أحيان كثيرة، يشترون ما يخشون ألا يمتلكوه قبل الآخرين، وهنا تبدأ القصة.
الاقتصاد الذي تحكمه المشاعر
أخطر ما في اقتصاد الترند أنه لا يعتمد دائمًا على القيمة الحقيقية للسلعة أو الخدمة، بل على الإحساس الجمعي تجاهها، فبعض المنتجات لا تحقق انتشارًا لأنها الأفضل، بل لأنها الأكثر ظهورًا.
وبعض الاستثمارات لا تجذب الأموال بسبب جدواها الاقتصادية فقط، بل بسبب الضجيج المحيط بها.
وهنا يتحول السوق تدريجيًا من مساحة للحسابات الباردة إلى مساحة للمشاعر الساخنة إلى الخوف من تفويت الفرصة، والرغبة في اللحاق بالموجة، والسعي للظهور، و المقارنة الاجتماعية، ووهم الثراء السريع، فكلها أصبحت عوامل اقتصادية حقيقية، حتى وإن لم تظهر داخل الجداول التقليدية.
وربما لهذا السبب، أصبحت بعض الأسواق أكثر حساسية لتغريدة، أو فيديو قصير، أو ترند عابر، من حساسيتها أحيانًا لبيانات مالية معقدة.
مصر واستهلاك الصورة
تغير جزء كبير من السلوك الاستهلاكي في مصر في السنوات الأخيرة ، ليس فقط بفعل التضخم أو تغير الأسعار، بل أيضًا بفعل التحول الثقافي الذي فرضته المنصات الرقمية.
لم يعد الاستهلاك مرتبطا بالاحتياج وحده، بل بالصورة التي يريد الأفراد تقديمها عن أنفسهم، فالهاتف لم يعد مجرد وسيلة اتصال، والسيارة لم تعد مجرد وسيلة انتقال، وحتى بعض أنماط الإنفاق اليومي لم تعد مرتبطة بالوظيفة الأساسية للمنتج، بل بالرمزية الاجتماعية التي يحملها.
أصبح الظهور نفسه جزءًا من الاقتصاد، ومع اتساع اقتصاد المؤثرين، وتحول المنصات إلى ساحات مفتوحة للمقارنة اليومية، دخلت قطاعات كاملة في سباق غير معلن لصناعة الانبهار، مثل مطاعم تصمم لتصوَّر أكثر مما تُستهلك، ومنتجات تشترى لأنها ترند، وأنماط حياة تُباع باعتبارها نموذجًا للنجاح، ومشروعات ناشئة تُسوَّق أحيانًا بالقصة قبل المنتج، وهنا لا يصبح السؤال: هل هذا ضروري؟ بل هل سأبدو متأخرًا إذا لم أواكب ذلك؟.
معظم الفقاعات الاقتصادية الكبرى لم تبدأ بالأرقام، بل بالحماس، ففاعة الإنترنت في بداية الألفية، وفقاعات الأصول الرقمية، وحتى بعض موجات الاستثمار الحديثة، بدأت جميعها بحالة جماعية من التصديق المفرط لفكرة ما.
وفي عصر الترند، تتضاعف سرعة هذه الحالة بشكل غير مسبوق، فالمعلومة لم تعد تنتقل في أيام أو أسابيع، بل في ثوان، والرغبة لم تعد تنمو تدريجيًا، بل تنفجر دفعة واحدة أمام ملايين الأشخاص في الوقت ذاته، وهنا يصبح الاقتصاد أكثر هشاشة أمام العدوى النفسية.
فعندما يقتنع الجميع بأن شيئًا ما يمثل فرصة لا تعوض، يبدأ الطلب في الارتفاع، ثم ترتفع الأسعار، ثم يزداد الانبهار، ثم يدخل المزيد من الناس خوفًا من ضياع الفرصة، حتى تتحول الفكرة إلى فقاعة كاملة.
تظهر المشكلة أن الفقاعة لا تعلن عن نفسها أثناء تكونها، بل تبدو دائمًا وكأنها المستقبل.
ربما لم تعد السلعة الأغلى في العالم هي النفط أو الذهب أو حتى البيانات، كل التطبيقات اليوم تتنافس على الوقت، لأن الوقت أصبح بوابة الاستهلاك، وبوابة التأثير، وبوابة تشكيل الرغبات.
ومن ينجح في السيطرة على انتباه الناس، يستطيع بدرجة كبيرة التأثير في ما يشترونه، وما يستثمرون فيه، وما يحلمون به، وحتى الطريقة التي يقيسون بها نجاحهم الشخصي، وهنا تتحول الشاشة الصغيرة إلى سوق ضخم يعيد تشكيل الاقتصاد بصمت.
المشكلة ليست في الترند نفسه، فكل المجتمعات عرفت موجات الاهتمام الجماعي عبر التاريخ، لكن الاختلاف اليوم يكمن في السرعة، وحجم التأثير، وقدرة المنصات على تحويل الانتباه إلى أموال خلال لحظات.
وتبدو بعض الاقتصادات الحديثة وكأنها تعيش بين الواقع والصورة، بين القيمة الحقيقية والقيمة التي يصنعها الضجيج، وربما لهذا السبب أيضًا، أصبحت بعض الأزمات تبدأ بهدوء شديد، ثم تتضخم فجأة، لأن الأسواق لم تعد تتحرك فقط بالعقل الاقتصادي، بل بالعاطفة الجماعية.
قد يكون أخطر ما في اقتصاد الترند أنه يجعل الناس يطاردون ما يراه الجميع، لا ما يحتاجونه فعلًا، وعندما تتحول الرغبات الجماعية إلى محرك اقتصادي، يصبح السؤال الأهم لي "ما الذي يرتفع سعره؟"، بل من الذي يملك القدرة على توجيه انتباه العالم؟