من "أبو سنة" لـ "طفي النور"..حملات النجوم تفقد مصداقية و ثقة الجمهور
تواجه الحملة التوعوية الأخيرة لترشيد استهلاك الكهرباء، والتي حملت شعار "طفي النور" وشارك فيها كوكبة من ألمع نجوم الفن والدراما والسينما، موجة عارمة من الانتقادات والفتور الجماهيري غير المسبوق على منصات التواصل الاجتماعي وفي الشارع المصري والعربي على حد سواء. وجاء هذا التراجع المخيب لآمال القائمين على الحملة والمخططين لها ليسلط الضوء على تساؤل بنيوي وإعلامي هام: لماذا فشل نجوم الصف الأول الحاليين في كسب ثقة المواطن البسيط، في الوقت الذي حققت فيه حملات إعلانية مشابهة لنجوم سابقين مثل الراحل محمد رضا والفنان أحمد آدم نجاحاً ساحقاً حُفر في ذاكرة الأجيال المتعاقبة لعقود طويلة؟
مفاتيح النجاح بين عبقرية الماضي وعثرات الحاضر
عند تفكيك عناصر المقارنة بين التجربتين الإعلانيتين، تظهر فروق جوهرية في طبيعة الشخصية والرسالة؛ فالإعلانات القديمة اعتمدت بالأساس على تقديم "كاريكاتير شعبي" قريب جداً من لغة الشارع البسيط، وملامحه اليومية، وهمومه المباشرة، بينما ظهر نجوم الحملة الحالية كفئة معزولة تعيش في برج عاجي بملابس أنيقة وفاخرة وإضاءة سينمائية مبهرة لا تعكس بأي شكل من الأشكال واقع المواطن المستهدف من الحملة ولا تلمس وجدانه.
أما من حيث أسلوب الرسالة وسرعة وصولها إلى عقول وقلوب المشاهدين، فقد تميزت حملات الفنان الراحل محمد رضا والفنان أحمد آدم بالاعتماد الكلي على الكوميديا الذكية، والقفشات الشعبية المرتجلة، والنقد الذاتي الساخر بعيداً عن التوجيه المباشر أو إلقاء الأوامر. في المقابل، اتسمت حملة "طفي النور" الحالية بالجدية الصارمة والمملة، والخطاب التوجيهي الجاف المباشر، الذي يفتقر تماماً إلى المرونة الإعلانية والابتكار الجاذب للانتباه.
هذه الاختلافات الجوهرية في الصياغة الفنية انعكست بشكل مباشر على مستوى الإقناع والتفاعل الجماهيري؛ حيث حقق نجوم الزمن الجميل مستويات إقناع وتأثير عالية جداً وعابرة للأجيال، لأن الجمهور شعر أن الفنان يشبهه تماماً، ويمر بنفس ظروفه المعيشية، ويتحدث بلسانه، بينما انخفضت مصداقية الحملة الحديثة بشكل ملحوظ وتلقت ردود فعل سلبية قاسية بعد أن اعتبرها قطاع واسع من المشاهدين ورواد السوشيال ميديا مجرد "سبوبة إعلانية" مدفوعة الأجر للنجوم، دون وجود إيمان حقيقي بمضمونها أو هدفها القومي والاجتماعي.
النمطية الإخراجية وغياب الابتكار الفني
من الناحية الفنية والإبداعية، سقطت حملة "طفي النور" في فخ التقليدية والنمطية الإخراجية المفرطة؛ فالرؤية البصرية اعتمدت بشكل أساسي على وقوف النجم أو النجمة أمام كاميرا سينمائية عالية الجودة ليلقي نصائح مباشرة وجافة ومكررة، تفتقر إلى أي حبكة درامية أو مفارقة كوميدية جاذبة.
في المقابل، كانت الحملات القديمة بمثابة "مسلسلات قصيرة جداً" أو اسكتشات مسرحية مكثفة ينتظرها الجمهور بشغف كبير بين الفواصل الإعلانية، مثل شخصية "أبو سنة" الشهيرة التي قدمها الفنان أحمد آدم، والتي نجحت في حث المواطنين على الالتزام بالقواعد دون أي شعور بالاستعلاء الطبقي أو الوعظ الأخلاقي. كانت تلك الشخصيات تتعرض لمواقف طريفة تبرز سلبيات الإسراف، مما يجعل المشاهد يضحك ويتعلم الدرس في آن واحد.
تحول وعي الجمهور وتحديات المستقبل الإعلامي
يثبت الفشل الذريع والشديد لحملة "طفي النور" الأخيرة أن وعي المستهلك والمشاهد العربي قد تغير وتطور وتجاوز الأساليب الدعائية التقليدية؛ فالنجم الجماهيري والاسم اللامع لم يعد كافياً وحده لضمان نجاح أي رسالة توعوية أو وطنية، ما لم تكن الصياغة الإعلانية ذكية، واقعية، وتنبع من قلب الشارع وتلامس همومه الحقيقية، لا من غرف الاستوديوهات المكيفة والسيناريوهات المكتوبة في مكاتب مغلقة بعيدة تماماً عن نبض الواقع اليومي للمواطن. إن صناع القرار الإعلامي اليوم مطالبون بإعادة النظر في آليات الخطاب التوعوي، والعودة إلى فلسفة "البساطة والقرب" التي صنع بها الرواد الأوائل أمجاد الإعلام الخدمي والتوعوي المؤثر.
ترى الناقدة السينمائية " ماجدة خير لله " أن السبب الأول والأساسي وراء إخفاق حملة "طفي النور" يكمن في "أزمة المصداقية" الحادة. فالجمهور المعاصر، الذي بات أكثر وعياً ونقداً، يلمح فجوة طبقية واقتصادية شاسعة بين النجوم المشاركين في الإعلان، والذين يتقاضون أجوراً ملايينية للظهور لبضع ثوانٍ ويسكنون في منتجعات سكنية فاخرة ومغلقة، وبين المواطن البسيط الذي يُطلب منه بصفة يومية "إطفاء النور" وتحمل أعباء وتداعيات خطط تخفيف الأحمال وانقطاع التيار الكهربائي في ظل ظروف معيشية ضاغطة.
هذا التناقض البصري والواقعي الفج جعل الرسالة التوعوية تخرج باهتة، باردة، ومصطنعة إلى حد كبير. واعتبرها قطاع واسع من المواطنين نوعاً من "التوجيه الفوقي" أو التنظير الذي لا يشعر بمعاناة الشارع الحقيقية، خاصة خلال فصل الصيف ودرجات الحرارة المرتفعة للغاية.