رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الكاريبي على صفيح ساخن.. وتهديدات أمريكية وردود غاضبة من كوبا|تقرير

صراع جديد بين كوبا
صراع جديد بين كوبا والولايات المتحدة

النزاع المتصاعد بين كوبا والولايات المتحدة لا يمكن اعتباره حربًا عسكرية مباشرة بالمعنى التقليدي؛ لكنه يوصف بأنه أخطر مرحلة توتر سياسي واقتصادي بين البلدين منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وتزداد اهمية هذه الازمة في ظل انشغال العالم بملفات أخرى أكثر سخونة، مثل التوترات في الخليج والأزمات الاقتصادية الدولية والصراع المتصاعد مع إيران.

ورغم أن العلاقة بين واشنطن وهافانا تحمل تاريخًا طويلًا من العداء، فأن الأحداث الأخيرة دفعت الأمور إلى مستوى جديد من التصعيد، خاصًة بعد عودة الخطاب الأمريكي الحاد تجاه كوبا واتهامها بالتحالف مع خصوم الولايات المتحدة، حيث تعود جذور الأزمة إلى نهاية خمسينيات القرن الماضي، عندما نجحت الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو عام 1959؛ لتتحول الجزيرة بعدها إلى خصم سياسي واستراتيجي لواشنطن، وبعد سنوات قليلة فقط، فرضت الولايات المتحدة حصارًا اقتصاديًا شاملًا على كوبا عقب أزمة الصواريخ الشهيرة عام 1962، عندما وافق الاتحاد السوفيتي على نشر صواريخ نووية داخل الأراضي الكوبية، وهو ما اعتبرته واشنطن تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

صراع جديد بين كوبا والولايات المتحدة
صراع جديد بين كوبا والولايات المتحدة

كوبا تستنفر.. والولايات المتحدة تصعد

وخلال سنوات الحرب الباردة، بقيت كوبا واحدة من أبرز ساحات الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، واستمرت المواجهة السياسية والاقتصادية لعقود طويلة وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ورغم التراجع الاقتصادي الكبير الذي أصاب كوبا، فأن النظام الحاكم تمكن من البقاء والاستمرار، وفي فترة حكم باراك أوباما، شهدت العلاقات بين البلدين انفراجة غير مسبوقة، حيث أعيد افتتاح السفارات بين واشنطن وهافانا وعادت الرحلات الجوية، كما جرى تخفيف جزء من العقوبات الاقتصادية؛ لكن هذا التقارب لم يستمر طويلًا، فمع وصول دونالد ترامب إلى السلطة خلال ولايته الأولى، عادت سياسة التشدد من جديد وتم فرض عقوبات إضافية وتشديد القيود على التحويلات المالية والسياحة، إلى جانب إعادة كوبا إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب.

الأزمة الحالية لم تنشأ من سبب واحد، بل جاءت نتيجة تراكم عدة ملفات معقدة في وقت واحد ويعتبر الوضع الاقتصادي داخل كوبا من أبرز أسباب الانفجار الحالي؛ إذ تعيش البلاد أسوأ أزمة اقتصادية منذ تسعينيات القرن الماضي، وتشهد المدن الكوبية انقطاعات متكررة للكهرباء إلى جانب نقص حاد في الوقود والمواد الغذائية والأدوية، فضلًا عن انهيار العملة المحلية وتصاعد موجات الهجرة نحو الولايات المتحدة.

كما ترى حكومة كوبا، أن العقوبات الأمريكية تمثل محاولة لخنق الاقتصاد الكوبي بشكل متعمد، بينما تعتبر واشنطن أن النظام في هافانا مسؤول عن الأزمة، بسبب فشله الاقتصادي وسياساته القمعية، وفي المقابل، تبنت إدارة ترامب الجديدة سياسة أكثر هجومية تجاه كوبا، تضمنت توسيع دائرة العقوبات، واستهداف مسؤولين كوبيين، وفرض قيود مصرفية ومالية جديدة، إلى جانب التهديد بعزل هافانا دوليًا.

وفي شهر مايو 2026، وقع الرئيس الأمريكي ترامب، مرسومًا جديدًا وسع من خلاله العقوبات؛ لتشمل شركات ومؤسسات أجنبية تتعامل مع كوبا، إضافة إلى جهات داعمة للحكومة الكوبية، وبناءً عليه زادت التوترات بشكل أكبر بعد التصريحات التي ربطت بين التصعيد الأمريكي ضد إيران، واحتمال الانتقال لاحقًا إلى كوبا، فقد تحدثت تقارير عن تلميحات أطلقها ترامب، خلال تجمع سياسي قال فيها إن الولايات المتحدة قد تنهي ملف إيران أولًا ثم تتجه إلى كوبا، وهو ما أثار مخاوف واسعة داخل أمريكا اللاتينية وأوروبا.

جزيرة جرينلاند
جزيرة جرينلاند

ومن جانبه، رد الرئيس الكوبي ميجيل دياز كانيل، بقوة على هذه التصريحات، مؤكدًا أن أي تدخل عسكري أمريكي ضد بلاده سيؤدي إلى (حمام دم) وسيهدد استقرار منطقة الكاريبي بالكامل، كما اتهم واشنطن بمحاولة خلق مبررات للتدخل العسكري عبر الحديث عن تهديدات كوبية مزعومة ضد قاعدة (جوانتانامو).

كما شدد الرئيس الكوبي على أن بلاده لا تمثل أي تهديد للولايات المتحدة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن كوبا ستدافع عن نفسها إذا تعرضت لهجوم، معتبرًا أن ما يحدث حاليًا ليس سوى استمرار لسياسة الضغط والخنق الاقتصادي التي تنتهجها واشنطن منذ عقود.

موقف دول الاتحاد الأوروبي من شن استهداف كوبا

ظهرت حالة من القلق داخل الولايات المتحدة نفسها تجاه احتمالات التصعيد العسكري، حيث تقدم عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ بمقترح يهدف إلى منع ترامب، من شن أي عمل عسكري ضد كوبا دون الحصول على موافقة الكونجرس، وذلك خوفًا من فتح جبهة جديدة بعد التصعيد مع الجمهورية الإيرانية الإسلامية.

أما أوروبا، فقد تعاملت بحذر مع التطورات؛ لكنها أظهرت رفضًا واضحًا لأي خطوة عسكرية محتملة ضد كوبا، كما أعربت عدة دول أوروبية عن خشيتها من توسع سياسة التهديدات الأمريكية خارج منطقة الشرق الأوسط، خاصًة في ظل التصريحات المتكررة التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب في ملفات دولية مختلفة.

كما ربطت بعض الأوساط السياسية الأوروبية بين التصعيد تجاه كوبا وبين تصريحات ترامب السابقة المتعلقة بجزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، والتي أثارت بدورها توترًا داخل حلف (الناتو)، ومن جانبها، اتخذت الحكومة الدنماركية بقيادة رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن، موقفًا حازمًا تجاه لغة التهديد الأمريكية، واعتبرت أن استخدام القوة أو التهديد بها ضد دول صغيرة أو حلفاء يمثل خطرًا مباشرًا على تماسك حلف شمال الأطلسي.

وناقشت دول أوروبية من بينها (ألمانيا، وبريطانيا) إمكانية تعزيز وجودها الدفاعي في جزيرة جرينلاند، في رسالة سياسية تهدف إلى رفض الضغوط الأمريكية المتزايدة، وهو ما يعكس قلقًا أوروبيًا متصاعدًا من سياسة فرض النفوذ بالقوة التي يتبعها ترامب، في أكثر من منطقة حول العالم، سواء في الشرق الأوسط أو الكاريبي أو حتى القطب الشمالي.

وفي الأخير، تنظر الدول الأوروبية إلى أي مواجهة محتملة بين واشنطن وهافانا باعتبارها خطوة قد تؤدي إلى إشعال منطقة الكاريبي، وفتح موجات هجرة جديدة، إلى جانب تعميق الانقسامات داخل حلف (الناتو)، خاصة في وقت يشهد فيه العالم حالة من التوتر الشديد بسبب الحروب والأزمات الاقتصادية المتلاحقة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء