رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين ليلة «أم كلثوم» وأهلاً «صفاء أبو السعود»رحلة تراجع صناعة أغاني الأعياد

إيجبتكِ

ترتبط الأعياد في وجدان الشعوب العربية، والمصرية على وجه الخصوص، بطقوس ومظاهر لا تكتمل الفرحة بدونها، ومن بين هذه الطقوس تبرز الأغنية كعنصر أساسي يُعلن عن قدوم البهجة ويُصاحب تفاصيلها اليومية. لسنوات طويلة، كانت الأغنيات هي الميقات الحقيقي للعيد، تبثها الإذاعات وشاشات التلفزيون لتنشر أجواء الاحتفال في كل بيت وتضفي على الأيام صبغة من الألفة. ومع ذلك، يلاحظ المتابع للمشهد الغنائي العربي تراجعاً ملحوظاً، بل وشبه اختفاء، لإنتاج أغنيات جديدة خاصة بهذه المناسبات، مما يفتح الباب لرصد أسباب هذا الغياب، وكيف توقف الزمن عند روائع الماضي دون تجديد.

من كوكب الشرق إلى صفاء أبو السعود.. رحلة صناعة البهجة

بدأت الحكاية الرسمية لأغاني العيد الحديثة مع كوكب الشرق، أم كلثوم، في أربعينيات القرن الماضي عندما غنت «يا ليلة العيد آنستينا» عام 1944 من كلمات أحمد رامي وألحان رياض السنباطي، حيث لم تكن مجرد أغنية عابرة، بل تحولت إلى وثيقة رسمية لإعلان العيد تشيع طاقة من الفرحة والوقار في آن واحد، وصارت صالحة لكل زمان ومكان بسبب كلماتها البسيطة وصوتها العابر للأجيال.

ولم تقف المسيرة عند حدود الكلاسيكية الكلثومية، بل شهدت العقود التالية تنوعاً كبيراً في الأشكال الموسيقية، فقد قدم العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ أغنيات بأجواء مبهجة وإن لم تكن مخصصة للعيد تحديداً، وقدمت الفنانة شريفة فاضل أغنيتها الشهيرة «والله لسه بدري يا شهر الصيام» لوداع رمضان واستقبال العيد، وجاءت فرق مثل ثلاثي أضواء المسرح والفنان عبد المنعم مدبولي ليضفوا لمسة كوميدية وطفولية على احتفالات الأسر المصرية والعربية.

لكن المحطة الأبرز التي شكلت وجدان الأجيال المعاصرة، وما زالت حية حتى اليوم، كانت أغنية «أهلاً بالعيد» للفنانة صفاء أبو السعود، والتي كتبها الشاعر عبد الوهاب محمد ولحنها الموسيقار جمال سلامة، وتميزت بإيقاعها السريع المليء بالألوان والبالونات والأطفال في الحدائق، فتحولت هذه الأغنية إلى رمز للبهجة الحركية والطفولية، لتغلق دون قصد قوس الأغنيات الخالدة التي تجمع عليها الأسر العربية عند سماع تكبيرات العيد في صباح كل عام.

أسباب غياب الأغنية الموسمية وتوقف عجلة الإنتاج

عند تأمل الساحة الغنائية الحالية، نجد غياباً شبه تام للأعمال التي تحتفي بالعيد، واكتفاء القنوات والإذاعات وصناع المحتوى بإعادة تدوير الإرث القديم، وهذا الاختفاء ليس وليد الصدفة، بل يعود إلى جملة من التحولات الاقتصادية والفنية والاجتماعية التي غيرت شكل صناعة الموسيقى في الوطن العربي.
ويأتي في مقدمة هذه الأسباب تغير آليات الإنتاج الموسيقي نفسه، فقديماً كانت الدولة ممثلة في الإذاعة والتلفزيون المصري وصوت القاهرة تتولى إنتاج هذه الأعمال كجزء من دورها القومي والتثقيفي، ومع تراجع إنتاج الدولة ودخول شركات الإنتاج الخاص، أصبح المعيار الأول للعمل الفني هو الربح التجاري، وتعتبر الأغنية الموسمية التي تُسمع في أيام العيد فقط استثماراً غير مربح لشركات الإنتاج مقارنة بالأغاني العاطفية أو السريعة التي يمكن سماعها طوال العام.

كما ساهم عصر الأغاني المنفردة والمنصات الرقمية الحديثة في هذا الغياب، حيث تغيرت سلوكيات الاستماع مع ظهور منصات البث الرقمي، ويعتمد المطربون الآن على طرح أعمال تبحث عن الانتشار السريع والمستمر، وهي خوارزميات تتطلب استمرارية وتفاعلاً طوال أشهر السنة ولا تخدمها المواسم القصيرة كالعيد.
بالإضافة إلى ذلك، تراجع دور الكليبات التلفزيونية المجمعة التي كانت تعتمد على الصورة المبهجة من أطفال في الملاهي وملابس جديدة ولمة عائلية، ومع اختفاء هذه النوعية من الإنتاجات البصرية المكلفة لصالح الفيديوهات الغنائية البسيطة، فقدت أغنية العيد جزءاً كبيراً من جاذبيتها البصرية التي كانت ترسخ في الأذهان وتجذب العائلات حول الشاشات.
ولا يمكن إغفال تبدل الذوق العام وظهور قوالب موسيقية جديدة سيطرت على الشارع مثل الموسيقى الشعبية وموسيقى المهرجانات والراب، حيث تعتمد هذه الفنون على الإيقاع الراقص السريع، وصار الشباب وصناع الحفلات يستعيضون بها في تجمعات العيد للحصول على البهجة البديلة والنشاط الحركي، بدلاف من الأغنية الاجتماعية التقليدية التي كانت سائدة في العقود الماضية.

النوستالجيا واكتفاء الجمهور بذاكرة الماضي العتيق

أمام هذا الفراغ الإنتاجي الكبير، يبرز بوضوح مدى اكتفاء الجمهور الحالي بالماضي الغنائي من خلال مفهوم الحنين إلى الماضي أو النوستالجيا، فقد ارتبطت ألحان السنباطي وجمل جمال سلامة الموسيقية بشرطية بصرية ونفسية لدى المواطن العربي، تجعل من سماع تلك الأغنيات القديمة مثيراً فورياً لذكريات الطفولة ورائحة كعك العيد وتجمع العائلة القديم.
هذا الارتباط الوجداني العميق جعل من الصعب على أي أغنية حديثة أن تنافس هذا الإرث العريق، ليس بالضرورة لضعف مستواها الفني أو الموسيقي، بل لأنها لا تحمل شحنة الذكريات والروابط العاطفية التي تراكمت عبر عقود طويلة في أذهان المستمعين، فأصبح القديم ملاذاً آمناً للجمهور الذي يبحث عن حالة وجدانية دافئة قد لا توفرها الموسيقى السريعة والاستهلاكية الحالية.

حقيقة العودة للأعمال الموسمية

في النهاية، يظل اختفاء أغاني العيد والمناسبات انعكاساً طبيعياً لتغير الزمن وأدواته وفلسفة الاستماع برمتها، فالأغنية تظل دائماً ابنة بيئتها وعصرها، وعصرنا الحالي يميل إلى الفردية والسرعة والاستهلاك اللحظي عبر الهواتف الذكية، بينما كانت أغاني زمان تصنع بدقة لتعيش طويلاً وتخاطب المجموع ككتلة واحدة، ورغم بعض المحاولات الخجولة من نجوم جيل الشباب في السنوات الأخيرة لتقديم أعمال خاصة بالمناسبات، إلا أن المحصلة تؤكد أن رصيد الماضي من كوكب الشرق إلى صفاء أبو السعود، ما زال هو الحارس الأمين لبهجة الأعياد في قلوب الملايين.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء