تسلكيان: الموسيقى العربية الأعظم.. والكورال يبني «مواطنا صالحا»|حوار
باركيف تسلكيان لـ«إيجبتك»:
الغناء الجماعي تدريب على الحياة واحترام الآخر
الإنسان المصري يحول المعاناة إلى طاقة إبداعية
الفن الحقيقي يوحّد الناس.. لا يفرقهم
مصر ستظل دولة محورية فنيًا وثقافيًا
الموسيقى العربية تمتلك قوة تجعل العالم يحترم ثقافتنا
يواصل المايسترو اللبناني باركيف تسلكيان الدفاع عن فكرة الفن الجماعي، مؤمنًا بأن الكورال ليس مجرد أصوات متناغمة، بل مساحة لبناء الإنسان وتعزيز قيم التعاون والانتماء.
ومن خلال تجربته الممتدة لأكثر من أربعة عقود في قيادة الكورالات، نجح في نقل تجربة غناء «الأكابيلا» إلى العالم العربي، انطلاقًا من مصر التي يعتبرها دائمًا نقطة البداية الثقافية والفنية في المنطقة.
وفي حواره لـ«إيجبتك»، يتحدث تسلكيان عن تجربته مع الشباب المصري، ورؤيته لمستقبل الموسيقى العربية، وتأثير السوشيال ميديا على الذوق الفني، مؤكدًا أن «الموسيقى العربية أعظم موسيقى في العالم»، وأن الفن الحقيقي لا يصنع نجمًا فقط، بل يبني «مواطنًا صالحًا» قادرًا على احترام الآخر والعمل الجماعي؛ وفيما يلي نص الحوار كاملًا:
في بداية حوارنا .. كيف بدأت تجربة التعاون مع الشباب وتدريبهم على غناء الأكابيلا والكورال؟
- بدأت هذه التجربة منذ عام 2017، عندما أسسنا فرعا لـ«كورال الفيحاء» في مصر، وكان هدفنا الأساسي وقتها نشر ثقافة غناء الأكابيلا في العالم العربي، لأن هذا النوع من الغناء لم يكن منتشرًا بالشكل الكافي، ثم بدأنا من مصر لأنها دائمًا نقطة الانطلاق الثقافية والفنية في الوطن العربي، ومصر بالنسبة لنا هي «أم الدنيا» فعا.
عملنا لمدة عامين تقريبًا بشكل متواصل، وبعدها بدأنا نرى نتائج حقيقية على الأرض، إذ ظهرت فرق وكورالات جديدة تهتم بالأكابيلا، سواء في الجامعات أو المراكز الثقافية، مثل كورالات في جامعة عين شمس وغيرها؛ و بعد ذلك توسعت الفكرة إلى دول عربية أخرى، فأصبح لدينا تعاون مع فرق في المغرب والسعودية والأردن وقطر وسوريا، وحتى مع وزارة الثقافة القطرية.
نحن نؤمن بأن أي شخص لديه الشغف والقدرة على تأسيس كورال حقيقي يستحق الدعم، لذلك كنا نقدم خبراتنا ومساعدتنا دون مقابل مادي، لأن هدفنا الأساسي نشر هذا الفن وتطويره في العالم العربي.
كذلك نود التعرف كيف بدأ تعاونكم مع كورال «شغف» في مصر؟
- تواصل معي المايسترو إسلام سعيد، قائد كورال شغف، وكان لديه رغبة حقيقية في استكمال مشروع الأكابيلا بشكل احترافي.. بدأنا التعاون بيننا أونلاين، ثم جاء إلى لبنان لفترة وتدرّب معنا بشكل مباشر، وبعدها عاد إلى مصر وواصل العمل مع الفريق.
ومنذ حوالي ثمانية أشهر عدت مرة أخرى للتدريب مع كورال شغف، لكن هذه المرة حاولنا توسيع التجربة لتصبح ورشًا مفتوحة يستفيد منها عدد أكبر من الشباب، لأننا نؤمن بأن التجربة عندما تنتقل من شخص لآخر تخلق حالة فنية جديدة.
أحيانًا يأتي بعض الشباب للمشاركة لبضعة أيام فقط، لكنهم يكتشفون حبهم لهذا النوع من الغناء، وبعدها إما ينضمون إلى كورال قائم بالفعل أو يؤسسون كورال جديد، وهنا تكون الرسالة قد وصلت.
ما طبيعة عملك في التدريب؟ وهل الأمر يقتصر على الموسيقى فقط؟
- أنا تخصصي الأساسي قيادة الكورال، ولدي خبرة تتجاوز أربعين عامًا في هذا المجال، لذلك عملي لا يقتصر على تعليم الغناء فقط، بل يشمل بناء الفريق نفسه.
في الكورال لا يكفي أن يمتلك الشخص صوتًا جيدًا، بل يجب أن يعرف كيف يتعامل مع الآخرين، وكيف يحترمهم ويثق بهم ويتعاون معهم، لأن الغناء الجماعي قائم أساسًا على التناغم، وإذا حدث خلل اجتماعي داخل الفريق سينعكس فورًا على الأداء الموسيقي؛ لذلك نهتم جدًا ببناء العلاقات الإنسانية داخل الكورال، ونعتبر أن الغناء الجماعي هو تدريب على الحياة نفسها، وعلى العمل المشترك واحترام الآخر.

دائما ما تؤكدون أن الكورال ليس مجرد غناء.. ماذا تقصدون بذلك؟
- بالفعل، نحن في كورال الفيحاء لا نعتبر أن هدفنا هو الغناء فقط، بل بناء إنسان ومواطن صالح؛ ففي لبنان مثلا يضم كورال الفيحاء أشخاصًا من 17 طائفة مختلفة، ومناطق اجتماعية متعددة، وأعمار مختلفة أيضًا، لكن طوال 24 عامًا لم تحدث بيننا أي خلافات طائفية أو سياسية، لأننا نؤمن أن الفن الحقيقي يوحد الناس؛ كذلك نحن لا ننتمي لأي جهة سياسية، ونعتبر أنفسنا أحرارًا، ولذلك أصبح الكورال نموذجًا للوحدة الإنسانية. الموسيقى بالنسبة لنا وسيلة لبناء الإنسان قبل أن تكون مجرد عرض فني.
ما أبرز التحديات التي تواجه غناء الكورال في العالم العربي؟
- المشكلة الأساسية أن الغناء الجماعي يحتاج إلى روح جماعية، وهذه الثقافة ليست قوية بالشكل الكافي لدينا في العالم العربي.
للأسف كثيرون يريدون أن يصبحوا «نجومًا منفردين» بسرعة، بينما الكورال قائم على فكرة أن يذوب الفرد داخل المجموعة، لا يوجد قائد بدون المغنين، ولا يوجد كورال ناجح إذا لم يشعر الجميع أنهم جزء من كيان واحد.
لكن رغم ذلك أرى أن المجتمعات العربية تمتلك قدرات اجتماعية وإنسانية عظيمة، بل أحيانًا أفضل من الغرب، لأننا ما زلنا نمتلك فكرة «السند» والعلاقات الإنسانية القوية، والمشكلة فقط أننا بحاجة لتطوير ثقافة العمل الجماعي.
وكيف ترى تأثير السوشيال ميديا على ذوق الشباب الموسيقي؟
- السوشيال ميديا لها تأثير كبير جدًا، لكنها للأسف تُستخدم أحيانًا بطريقة تضر الذوق الفني، لأنها تركز على السرعة والانتشار اللحظي أكثر من الجودة والقيمة؛ ومع ذلك أرى أن الشباب العربي ما زال يمتلك شغفًا حقيقيًا بالموسيقى، وخاصة في مصر، والمصريون لديهم حس فني مختلف، وأعتقد أن سر تميزهم هو قدرتهم على تحويل المعاناة إلى طاقة إبداعية.. والفقر والمعاناة أحيانًا يصنعان إنسانًا أكثر فهمًا للحياة، ولذلك نجد أن المصري يمتلك خفة ظل وذكاء وروحًا قريبة من الناس رغم كل الضغوط، وهذه الصفات تنعكس على الفن أيضًا.
هل ترى أن مصر ما زالت تملك مكانتها الفنية عربيًا؟
- بالتأكيد، مصر ستظل دولة محورية فنيًا وثقافيًا.. ربما الأهرامات رمز تاريخي عظيم، لكن بالنسبة لي أعظم ما في مصر هو الإنسان المصري نفسه، والشعب المصري محبوب في كل مكان بسبب روحه وبساطته وابتسامته وقدرته على الحياة رغم الصعوبات، وأنا تعاملت مع كورالات وفنانين في دول عربية كثيرة، لكنني أرى أن لدى المصريين موهبة خاصة جدًا.
كمغنين أفراد، أعتقد أن المصريين من أفضل الأصوات في العالم العربي، لكن الغناء الجماعي يحتاج إلى خبرة طويلة وتدريب مستمر حتى يصل إلى أعلى مستوى من التناغم.
أنت لبناني من أصول أرمنية.. كيف أصبحت مهتمًا بالموسيقى العربية إلى هذا الحد؟
- صحيح، أنا لبناني من أصل أرمني، وفي بداياتي لم أكن أحب الموسيقى العربية كثيرًا، لكن مع الوقت اكتشفت عظمتها؛ فمنذ حوالي 24 عامًا بدأت دراسة الموسيقى العربية بشكل عميق، واليوم أعتبرها أعظم موسيقى في العالم، لأنها تمتلك ثراءً هائلًا وإحساسًا فريدًا لا يوجد في أي موسيقى أخرى، والمشكلة ليست في الموسيقى نفسها، بل في طريقة تقديمها واستخدامها، و إذا قُدمت بالشكل الصحيح يمكن أن تصل إلى العالمية بسهولة.
والموسيقى العربية مبنية أساسًا على اللحن الواحد أو «الميلودي»، بينما الموسيقى الغربية تعتمد أكثر على الهارموني وتعدد الأصوات، لكن هذا لا يعني أن الموسيقى العربية لا يمكن أن تحتوي على هارموني، بالعكس، هناك محاولات عظيمة قام بها موسيقيون كبار مثل محمد عبد الوهاب والأخوين رحباني وغيرهم.
نحن في كورال الفيحاء عملنا لسنوات طويلة على تطوير تقنيات خاصة بالغناء الكورالي العربي، لأن اللغة العربية تختلف تمامًا عن اللغات الغربية، ولذلك لا يمكن تطبيق التقنيات الغربية عليها بشكل كامل، كما خلقنا أساليب جديدة تناسب طبيعة الحروف العربية والمقامات الشرقية، مع الحفاظ على روح الموسيقى العربية وهويتها.

كيف ترى مستقبل الموسيقى العربية؟
- الموسيقى العربية لا يمكن أن تموت، لأنها تمتلك جذورًا عميقة جدًا، لكن علينا أن نحافظ عليها بشكل علمي ومدروس، لكن للأسف ما زال التعليم الموسيقي في كثير من الدول العربية ضعيفًا مقارنة بأوروبا، وهناك نقص في التدوين الموسيقي والدراسة الأكاديمية الجادة.
نحن بحاجة لأن يبدأ تعليم الموسيقى بشكل حقيقي داخل المدارس، وأن يحصل الشباب على فرص للتجربة والتعلم، لأن الفن ليس رفاهية بل جزء من بناء المجتمع.
من هم الفنانون الذين تعتبرهم أصحاب أثر حقيقي في التاريخ؟
الفنان الحقيقي بالنسبة لي ليس الأكثر شهرة، بل من يترك أثرًا يبقى بعد رحيله، فهناك أسماء خالدة مثل سيد درويش، ومحمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، والأخوين رحباني، ومرسيل خليفة وغيرهم، هؤلاء صنعوا مشروعًا فنيًا وإنسانيًا حقيقيًا.
أما الأغاني التي تنجح فقط لأنها صاخبة أو سريعة الانتشار، فهي غالبًا تُنسى بسرعة، لأن مضمونها فارغ، وأنا لا أحب مصطلح «الأغاني القديمة»، بل أقول دائمًا: هناك فن أصيل وفن غير أصيل، والفن الأصيل فقط هو الذي يبقى مع الزمن.
في نهاية الحوار.. ما الرسالة التي تود توجيهها للشباب العربي؟
أتمنى من كل شاب أن يؤمن بنفسه وبموهبته، لكن في الوقت نفسه أن يتخلص من فكرة الغرور والرغبة السريعة في النجومية.
الفنان الحقيقي يعرف أن القمة بعيدة جدًا، ولذلك يظل يتعلم ويعمل ويتطور طوال الوقت، والفن رسالة، والموسيقى العربية تمتلك قوة هائلة يمكن أن تجعل العالم كله يحترم ثقافتنا إذا استخدمناها بالشكل الصحيح، والعرب يمتلكون تراثًا عظيمًا جدًا، وأتمنى أن نحافظ عليه وأن نقدمه للعالم بصورة تليق به.