رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

فؤاد مرسي: العيد في مصر مساحة للتكافل وصلة الرحم|خاص

فؤاد مرسي
فؤاد مرسي

قال الكاتب والباحث فؤاد مرسي إن عادات وتقاليد عيد الأضحى في المجتمع المصري تمثل منظومة اجتماعية وثقافية شديدة التعقيد والتركيب، لا يمكن اختزالها في كونها طقوسًا احتفالية عابرة أو ممارسات موسمية تتكرر كل عام، بل هي في جوهرها بنية ثقافية ممتدة عبر الزمن، تشكلت عبر تراكمات تاريخية ودينية واجتماعية، وتداخل فيها المقدس بالدنيوي، والرمزي بالواقعي، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من الوعي الجمعي والذاكرة الشعبية للمجتمع المصري، موضحًا أن العيد في صورته الكلية يمثل لحظة كبرى لإعادة إنتاج العلاقات الإنسانية والاجتماعية داخل المجتمع، وإعادة ترتيبها وتجديدها بشكل دوري متكرر.

 البنية الرمزية لعيد الأضحى ومعنى التضحية

وأكد في تصريحات خاصة لـ “ايجبتك” أن عيد الأضحى يرتكز في بنيته العميقة على فكرة مركزية هي فكرة "التضحية والفداء"، وهي فكرة لم تنشأ فقط في سياق ديني ضيق، وإنما امتدت جذورها إلى الوعي الإنساني العام، لتصبح رمزًا عالميًا مرتبطًا بمعاني البذل والعطاء والتجاوز عن الذات.

وأوضح أن هذه الفكرة تحولت مع مرور الزمن إلى ممارسة اجتماعية ودينية متكاملة تتجلى في شعيرة الأضحية، التي لا تُمارس فقط كواجب ديني، بل كفعل اجتماعي يحمل داخله دلالات التكافل والتراحم وإعادة توزيع الخير داخل المجتمع، حيث يحرص الناس على مد يد العون للفقراء والمحتاجين، وتقوية الروابط بين الأفراد والأسر، وإحياء قيم صلة الرحم التي تشكل أحد الأعمدة الأساسية في البناء الاجتماعي المصري.

وتابع أن هذه القيم لا تبقى في حدود الخطاب الرمزي أو الوعظي، بل تتحول في لحظة العيد إلى سلوك فعلي ملموس، يظهر في تفاصيل الحياة اليومية، وفي حركة الناس وتفاعلهم، وفي طبيعة العلاقات التي تعود لتتقارب بعد فترات من الانشغال والتباعد.

 العيد بوصفه لحظة تجدد إنساني واجتماعي

وقال فؤاد مرسي إن من أهم ما يميز عيد الأضحى في المجتمع المصري أنه يمثل لحظة "تجدد اجتماعي شامل"، تبدأ من الفرد وتمتد لتشمل الأسرة ثم المجتمع بأكمله، موضحًا أن هذا التجدد لا يكون شكليًا فقط، بل هو تجدد داخلي يتعلق بالوعي والسلوك والإحساس بالذات والآخر.

وأكد أن استقبال العيد بارتداء الملابس الجديدة لا يمكن فهمه باعتباره مجرد تقليد اجتماعي أو مظهر احتفالي خارجي، بل هو فعل رمزي عميق يعبر عن فكرة الانتقال من مرحلة زمنية إلى مرحلة أخرى، وكأن الإنسان يغلق صفحة من حياته بكل ما فيها من تعب وضغط وتجارب، ويبدأ صفحة جديدة أكثر نقاءً وصفاءً واستعدادًا للتفاعل مع الحياة.

وأوضح أن هذا الفعل الرمزي يرتبط بفكرة "التجدد الوجودي" للإنسان داخل المجتمع، حيث يشعر الفرد أنه يعيد بناء علاقته بنفسه وبالآخرين، وأنه يدخل في حالة نفسية واجتماعية جديدة تختلف عن الحالة السابقة، مشيرًا إلى أن هذه الدلالة ظلت حاضرة بقوة سواء في الريف المصري أو في المدن، وإن اختلفت أشكال التعبير عنها من مكان لآخر ومن زمن لآخر.

وتابع أن هذا البعد الرمزي يعكس عمق الوعي الشعبي المصري الذي لا يتعامل مع العادات بوصفها ممارسات سطحية، بل بوصفها حوامل لمعانٍ ثقافية وإنسانية ممتدة.

 العيدية كآلية اجتماعية لإنتاج الفرح

وأكد الكاتب والباحث أن "العيدية" تمثل واحدة من أهم الطقوس الاجتماعية المرتبطة بعيد الأضحى، موضحًا أنها لا تُفهم فقط باعتبارها مبالغ مالية تُعطى للأطفال، بل باعتبارها نظامًا اجتماعيًا رمزيًا يهدف إلى إعادة توزيع الفرح داخل الأسرة والمجتمع الصغير.

وأوضح أن انتقال العيدية من الكبار إلى الصغار يحمل دلالات اجتماعية عميقة، فهو يعكس علاقة الرعاية والاهتمام بين الأجيال، ويؤسس لنوع من التواصل العاطفي الذي يعيد إنتاج مفهوم الأسرة الممتدة، حيث لا يكون الطفل مجرد متلقٍ للمال، بل جزءًا من منظومة احتفالية كاملة.

وتابع أن الأطفال يتعاملون مع العيدية بوصفها حدثًا مهمًا يحمل طابعًا تنافسيًا بريئًا في الوقت نفسه، حيث يسعى كل طفل إلى مقارنة ما حصل عليه بما حصل عليه الآخرون، وهو ما يخلق حالة من التفاعل الاجتماعي داخل البيت الواحد، ويجعل من العيد مساحة نابضة بالحياة والحركة والفرح.

وأوضح أن هذه الممارسة، رغم بساطتها الظاهرة، تحمل في داخلها دلالات اقتصادية واجتماعية وثقافية، وتكشف عن طريقة توزيع الفرح داخل المجتمع المصري الصغير، أي داخل الأسرة.

 صلة الرحم والتزاور وإعادة إنتاج العلاقات

وقال فؤاد مرسي إن صلة الرحم والتزاور بين العائلات تمثلان أحد أهم الأعمدة التي يقوم عليها عيد الأضحى في مصر، موضحًا أن هذه الممارسة كانت في صورتها التقليدية تعتمد على الحركة المباشرة بين البيوت، حيث كان الأكبر سنًا يتولى مهمة الزيارة وتوزيع التهاني والعيديات.

وأكد أن هذا النمط من التفاعل الاجتماعي كان يعكس قوة البنية الأسرية واتساع مفهوم العائلة الممتدة، حيث كانت العلاقات لا تقتصر على الأسرة النووية فقط، بل تمتد لتشمل شبكة واسعة من الأقارب والجيران والمعارف.

وأوضح أن هذا الشكل التقليدي من التزاور شهد تغيرات واضحة مع تطور الحياة الحديثة، وزيادة التمدد العمراني، وتغير أنماط المعيشة داخل المدن، إلا أن هذا التغير لم يؤدِ إلى اختفاء الفكرة، بل إلى إعادة تشكيلها في صور جديدة، تعتمد على وسائل الاتصال الحديثة مثل الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت بديلًا جزئيًا للتواصل المباشر، دون أن تلغي المعنى الاجتماعي الأساسي.

 طقوس الحج وطلب السماح كفعل تطهيري

وتابع الكاتب والباحث أن طقوس الحج تمثل أحد أهم المكونات الرمزية في منظومة عيد الأضحى، موضحًا أن الحاج قبل سفره كان يحرص على القيام بطقس اجتماعي بالغ الأهمية يتمثل في طلب السماح من الأهل والأصدقاء والجيران.

وأكد أن هذا الفعل لا يمكن فهمه فقط باعتباره سلوكًا أخلاقيًا، بل هو جزء من بنية رمزية أعمق تتعلق بفكرة "تصفية العلاقات الإنسانية" قبل الدخول في تجربة دينية وروحية كبرى، حيث لا يمكن للإنسان أن يتجه إلى الحج وهو مثقل بالخلافات أو المشاحنات.

وأوضح أن هذا الطقس يعكس وعيًا اجتماعيًا عميقًا بأهمية نقاء العلاقات الإنسانية، وربطها بالصفاء الروحي، بحيث تصبح الرحلة الدينية امتدادًا لحالة من التصالح الداخلي مع الذات ومع الآخرين.

 الإحرام وتجربة الخروج من الزمن

وقال فؤاد مرسي إن لباس الإحرام يحمل دلالات رمزية شديدة العمق، إذ يعكس حالة من التجرد الكامل من مظاهر الحياة اليومية، وكأن الإنسان ينتقل من زمن اجتماعي مألوف إلى زمن روحي مختلف تمامًا.

وأوضح أن هذه الحالة تجعل الحاج يعيش تجربة شعورية خاصة، تتغير فيها علاقته بالجسد وبالاحتياجات الأساسية مثل الجوع والعطش والإحساس المادي، لتصبح التجربة أقرب إلى حالة من الانفصال المؤقت عن العالم المادي والدخول في فضاء روحي خالص.

وتابع أن كثيرًا من الحجاج يصفون هذه الحالة بأنها تجربة "خروج من الزمن"، حيث تتوقف فيها الإحساسات المعتادة، وتتحول الحياة إلى حالة من الصفاء والتجرد.

قوافل الحج وطقوس الذهاب والعودة

وأكد الكاتب والباحث أن رحلات الحج قديمًا كانت تمثل حدثًا اجتماعيًا بالغ الأهمية، حيث كانت القوافل تخرج في طقوس احتفالية واضحة، تتداخل فيها مشاعر الفرح بالدعاء، والرهبة بالأمل، سواء عبر الطرق البرية أو البحرية.

وأوضح أن وسائل النقل كانت تُزين بأشكال رمزية مثل الأعلام وأغصان النخيل، في مشهد يعكس احتفاء المجتمع بهذه الرحلة الروحية الكبيرة.

وتابع أن لحظة العودة كانت لا تقل أهمية عن لحظة الذهاب، بل كانت أكثر كثافة من الناحية الاجتماعية، حيث يستقبل الأهالي الحجاج بفرح كبير، وتُقام مظاهر احتفالية متعددة تعبر عن سلامة العودة.

 جدارية الحاج كذاكرة اجتماعية بصرية

وقال فؤاد مرسي إن من أبرز الطقوس المرتبطة بالحج ما يُعرف بـ"جدارية الحاج"، حيث كانت جدران المنازل تستخدم كمساحة لتوثيق الرحلة، من خلال الكتابة والرسم والرموز.

وأوضح أن هذه الجداريات كانت تتضمن عبارات تهنئة مثل "حج مبرور وذنب مغفور"، إضافة إلى رسومات تشير إلى وسيلة السفر، سواء كانت سفينة أو طائرة، مما يجعل من الجدار سجلًا بصريًا يوثق الحدث.

وأكد أن هذه الممارسة لم تكن مجرد زينة، بل كانت تحمل وظيفة اجتماعية، إذ توثق حدثًا محوريًا في حياة الأسرة، وتمنح الحاج مكانة اجتماعية خاصة داخل مجتمعه.

التحول من الذاكرة المادية إلى الرقمية

وتابع الكاتب والباحث أن هذه الممارسات التقليدية شهدت تحولًا كبيرًا مع دخول التكنولوجيا الحديثة، حيث تراجعت الكتابات الجدارية لصالح التوثيق الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأوضح أن المجتمع انتقل من توثيق الأحداث على الجدران داخل البيوت إلى توثيقها عبر الصور والمنشورات الإلكترونية، وهو ما يعكس تحولًا عميقًا في طبيعة الذاكرة الاجتماعية، من ذاكرة مادية ملموسة إلى ذاكرة رقمية افتراضية.

وختم الكاتب والباحث فؤاد مرسي بالتأكيد على أن عيد الأضحى في المجتمع المصري، رغم ما طرأ عليه من تحولات كبيرة بفعل الزمن والتكنولوجيا وتغير أنماط الحياة، ما زال يحتفظ بجوهره الأساسي القائم على الفرح والتكافل وصلة الرحم وإعادة إنتاج العلاقات الإنسانية، موضحًا أن العيد يظل مناسبة ثقافية واجتماعية حية تتجدد كل عام، وتعيد تشكيل حضورها داخل الوجدان الجمعي للمجتمع المصري دون أن تفقد معناها العميق أو دلالاتها الرمزية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء