رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الكارتون المصري.. قرن من الإبداع وتشكيل الوعي العربي

مشمش أفندي أول بطل كرتوني أنتجته مصر عام 1936

أرشيفية
أرشيفية

شكلت صناعة الرسوم المتحركة في مصر على مدار ما يقرب من قرن كامل مشروعاً ثقافياً وفنياً متكاملاً ، جعل من مصر الرائد الأول والأبرز في عالم الرسوم المتحركة عربياً وإفريقياً لعقود طويلة ونافست عمالقة انتاج الكارتون في العالم .

نجحت مصر منذ ثلاثينيات القرن الماضي في بناء مدرسة خاصة للكارتون، امتزجت فيها روح السينما المصرية بخيال الفنانين وروح الشارع الشعبي، لتخرج شخصيات وأعمالاً لا تزال حاضرة في ذاكرة أجيال كاملة من العرب .

مثلت تلك الرحلة انعكاساً للتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي مرت بها الدولة المصرية من مرحلة الرواد الأوائل، إلى عصر الدعم المؤسسي والتلفزيون الرسمي، وصولاً إلى زمن المنصات الرقمية والرسوم ثلاثية الأبعاد.

البدايات الأولى.. عندما ولد " مشمش أفندي " 

بدأت مصر دخول عالم الرسوم المتحركة مبكراً للغاية، بالتزامن تقريباً مع بدايات هذا الفن عالمياً، وهو ما منحها أفضلية تاريخية سبقت بها المنطقة العربية بأكملها.

وتعود الانطلاقة الحقيقية إلى عام 1935، حين أسس الأخوة فرانكل - ديفيد وشيرشيل وسالومون - أولى التجارب الاحترافية للرسوم المتحركة في مصر.

وكان الأخوة فرانكل، وهم فنانون من أصل بيلاروسي عاشوا في مصر، أصحاب الفضل في تقديم أول شخصية كرتونية مصرية وعربية شهيرة هي  " مشمش أفندي " عام 1936، وهي الشخصية التي تحولت سريعاً إلى رمز للطبقة المصرية المتوسطة، بطربوشها الشهير ولهجتها المحلية الساخرة.

وقدمت أفلام  " مشمش أفندي " نموذجاً مبكراً لما يمكن تسميته بـ " الكارتون مصري الهوية " إذ استعان الأخوة فرانكل بالموسيقى والاستعراض والغناء، وشارك في بعض الأعمال الملحن مدحت عاصم والفنانة ليلى مراد، في محاولة لدمج الكارتون بروح السينما الغنائية المصرية المزدهرة آنذاك .

تلك التجربة كانت بمثابة إعلاناً عن دخول مصر مبكراً إلى نادي الدول المنتجة للرسوم المتحركة، في وقت كانت فيه هذه الصناعة لا تزال في طور التأسيس عالمياً.

أنطوان سليم.. المعلم الذي صنع الجيل الذهبي

في خمسينيات القرن الماضي، واصل الفنان المصري أنطوان سليم تطوير هذا الفن، وقدم أعمالاً كرتونية وإعلانية شكلت حلقة الوصل بين جيل الرواد والجيل الذي سيقود العصر الذهبي لاحقاً.

ويُنظر إلى أنطوان سليم باعتباره أحد أهم المعلمين الأوائل لفن التحريك في مصر، حيث تتلمذ على يديه عدد كبير من الفنانين الذين أصبحوا لاحقاً أعمدة صناعة الرسوم المتحركة المصرية.

العصر الذهبي.. عندما تبنت الدولة صناعة الكارتون

مع قيام ثورة يوليو 1952، ثم تأسيس التلفزيون المصري عام 1960، دخلت الرسوم المتحركة مرحلة جديدة بالكامل.

فبعد أن كانت الصناعة قائمة على جهود فردية محدودة، أصبحت جزءاً من مشروع الدولة الثقافي والإعلامي، وبدأت القاهرة تؤسس صناعة حقيقية للكارتون داخل مؤسساتها الرسمية.

الشقيقان مهيب.. مهندسا الهوية البصرية المصرية

برز اسما الشقيقين علي مهيب وحسام مهيب باعتبارهما المؤسسين الحقيقيين للرسوم المتحركة الحديثة في مصر.

فقد أسسا قسم الرسوم المتحركة في التلفزيون المصري، ونجحا في تطوير تقنيات دمج التحريك مع التصوير الحي، وهي تقنيات كانت متقدمة للغاية بالنسبة لزمنها.

وخلال السبعينيات والثمانينيات، تحولت أعمال  " ستوديو مهيب " إلى جزء من الذاكرة الجمعية للمصريين والعرب، عبر الإعلانات الكرتونية والتنويهات الرمضانية الشهيرة، التي تميزت بخفة الظل والابتكار البصري والأغاني السريعة سهلة الحفظ.

ولم يكن تأثير مدرسة مهيب فنياً فقط، بل أسهمت في خلق سوق احترافية لصناعة الإعلان الكرتوني في المنطقة العربية، وأصبحت مصر وقتها مركزاً إقليمياً لهذا النوع من الإنتاج.

" بوجي وطمطم "  العرائس التي هزمت الكارتون الأجنبي

رغم أن  مسلسل " بوجي وطمطم " لم يكن رسوماً متحركة بالمعنى التقليدي، فإن المخرج والفنان التشكيلي محمود رحمي نجح من خلاله في تقديم واحد من أهم مشاريع الطفل العربي في تاريخ التلفزيون المصري.

فمنذ ظهوره في الثمانينيات، تحول العمل إلى ظاهرة رمضانية سنوية، ونجحت شخصياته في منافسة الإنتاج الأجنبي، بل والتفوق عليه جماهيرياً داخل مصر والعالم العربي.

وقدم  " بوجي وطمطم " نموذجاً مصرياً خالصاً للطفل العربي ، بشخصيات بسيطة، ولغة قريبة من الناس، ورسائل تربوية واجتماعية مغلفة بالكوميديا والدفء الإنساني.

" بكار " الميلاد الجديدة للكارتون المصري

مع نهاية التسعينيات، دخل الكارتون المصري مرحلة جديدة على يد المخرجة الراحلة الدكتورة منى أبو النصر، التي أعادت الروح إلى الصناعة عبر مسلسل " بكار " عام 1998.

شكل " بكار " نقلة نوعية حقيقية، ليس فقط بسبب تطور تقنيات التحريك، بل لأنه قدم للمرة الأولى بطلاً كرتونياً مصرياً يعبر بوضوح عن التنوع الثقافي والهوية المحلية، من خلال الطفل النوبي البسيط القادم من جنوب مصر.

ولعبت صوت الفنان محمد منير دوراً محورياً في نجاح العمل، ليصبح " بكار " واحداً من أكثر الأعمال التصاقاً بالوجدان الرمضاني العربي.

كما قدمت منى أبو النصر أعمالاً أخرى مهمة مثل " السندباد البحري " وأسست شركة " كايرو أنيميشن " التي مثلت محاولة جادة لبناء صناعة كرتون مصرية حديثة.

في الحلقة التالية : 

من الريادة إلى التراجع.. ماذا حدث للكارتون المصري؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء