رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عندما يصبحُ الخوفُ من الألمِ أشدَّ إيلاماً منه ، ثمة نوع من السجون لا نحتاج فيه إلى قضبان حديدية أو حراس غلاظ، بل نبنيه نحن بداخلنا، حجرًا حجرًا ، تحت مسمى "الحماية"، إنه ذلك السجن المظلم الذي نسكنه طوعاً حين يتملكنا الخوف من تكرار الألم. في اللحظة التي نغلق فيها أبواب قلوبنا ونكف عن المحاولة، ليس لأننا لم نعد نحب أو نرغب في النجاح، بل لأننا نخشى أن تعود تلك الغصة القديمة لتسكن حناجرنا، وأن نضطر مرة أخرى لمواجهة انكسارٍ ظننا أننا شفينا منه.


هذا الخوف هو "شبح" يسكن في زوايا المستقبل، يتغذى على حطام الماضي. نحن لا نخاف من الأيام القادمة، بل نخاف من تشابهها مع أيامٍ مضت استنزفت منا كل قطرة صبر، الخطأ الفادح الذي نرتكبه في حق أرواحنا هو أننا نتوقف عن "العيش" لنبدأ في "البقاء"، نختار العزلة بدلاً من الرفقة خشية الخذلان، ونختار الركود بدلاً من الطموح خشية الفشل، ونختار الصمت بدلاً من البوح خشية الرفض، وفي غمرة هذا الحذر المبالغ فيه، نكتشف أننا قتلنا الحياة بداخلنا قبل أن يفعلها الألم.


إن الوجع القديم يترك في الروح "ندوباً تحذيرية"، تجعلنا نشعر بالخطر عند كل اقتراب جديد، لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها بصدق هي أن الألم جزء أصيل من نسيج الوجود، وأن محاولة استئصاله من قاموس أيامنا هي محاولة لانتزاع الحياة نفسها، حين نخاف من تكرار الألم، نحن في الواقع نمنح الماضي سلطة مطلقة على حاضرنا؛ فنجعل من جرحٍ قديم قاضياً يحكم علينا بالحرمان المؤبد من الفرح. هذا الاستسلام لذكرى الوجع هو ضريبة باهظة ندفعها من أعمارنا، فالساعات التي نقضيها في الترقب والتوجس هي ساعات ميتة، لا تسمن ولا تغني من شغف.


يجب أن نعيد تعريف علاقتنا بذاكرتنا، الذاكرة خُلقت لتكون "مدرسة" نتعلم منها الدروس، لا "مقصلة" نعدم فيها فرصنا الجديدة، إن تكرار الألم ليس قدراً محتوماً، حتى لو تكررت الظروف؛ لأننا نحن لم نعد كما كنا النسخة التي تألمت في الماضي كانت تفتقر للخبرة، للوعي، أو للقوة التي نمتلكها اليوم، لذا، فإن مواجهة الحياة بقلب مفتوح رغم الجروح السابقة هي أقصى درجات الشجاعة، إنها تعني أننا نثق في قدرتنا على "الترميم" أكثر من خوفنا من "الهدم".


نحن بحاجة إلى "ثورة ثقة" داخلية؛ ثقة بأننا مهما انكسرنا، نملك في أعماقنا بذور النهوض من جديد، القيمة الحقيقية للروح لا تظهر في حمايتها من الخدوش، بل في قدرتها على أن تظل لامعة رغم كل ما مرَّ عليها، إن الهروب من الألم هو هروب من النمو، فالأشجار التي لا تهزها الرياح لا تضرب جذورها عميقاً في الأرض. علينا أن نتعلم كيف نمضي للأمام ونحن نحمل ندوبنا بكرامة، لا كأعباء تثقل كاهلنا، بل كأوسمة تخبرنا بأننا خضنا معاركنا وخرجنا منها أحياء، وأكثر بصيرة.


وفي ختام هذه المكاشفة الروحية، تذكروا أن الحياة لا تمنح جوائزها للمترددين الذين يختبئون خلف أسوار مخاوفهم، أجمل الحكايات هي تلك التي بدأت بعد انكسار عظيم، وأعمق أنواع الحب هي التي ولدت من رحم خذلان قديم، لا تسمحوا للخوف من الوجع أن يسرق منكم لذة المغامرة، ولا تجعلوا من "الاحتياط" قيداً يمنعكم من التحليق. ففي نهاية المطاف، أن نتألم ونحن نحاول، أكرم بكثير من أن نموت أحياء ونحن ننتظر ألما قد لا يأتي أبداً، افتحوا النوافذ، واسمحوا للهواء أن يجدد أروقة أرواحكم، فالحياة تنتظر أولئك الذين يملكون الجرأة لقول "نعم" مرة أخرى، رغم كل ما حدث.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء