المهنة الأكثر تأثيراً في مستقبل هذا الوطن، أصبحت من أكثر المهن قلقاً وطردا للكفاءات. تخيل أن تعيش في سباق طوال سنوات دراستك من الثانوية للبكالوريوس، وتهمل أجمل أيام شبابك، لتفوز في سباق الخمسة الأوائل لدفعتك، ثم تلتحق بدراسة الماجستير وشبابك يستنزف لاستكمال قطار التعب والجهد، وتدفع رسوم دورات ونشر وترجمات ومراجع علمية من جيبك، وتكون مكبلاً بالأعباء التدريسية والامتحانات، ثم تستكمل سنوات أخرى في نفس الضغوط للحصول على الدكتوراة، و تفاجأ بأن راتبك بعد كل تلك المأساة ينتهي في الأسبوع الثاني من الشهر، فتضطر للاقتراض. هذا ليس فيلماً مأساويا، بل هو الواقع المرير الذي يعيشه آلاف الأساتذة في جامعاتنا الحكومية يومياً.
الأرقام تحكي القصة كاملة. أستاذ جامعي يخدم الوطن ثلاثة عقود يتقاضى دخل أكثر من ٨٠٪ منه متغيرات ومربوطة وثابته على أساسي عام ٢٠١٥، واساسي راتبه لا يتجاوز ٨٠٠ جنيه لأقدم أستاذ، مستمد من جدول رواتب وُضع عام ١٩٧٢ وعدل في الثمانينات ولازال بنفس القيم، حيث لا تزال علاوة الرفع من أستاذ مساعد إلى أستاذ تقدر بـ ٢٥ قرشاً. فيما عدا تعديل واحد تم في بدل الجامعة منذ ١٤ عاماً.
قبل أن نتعمق في تفاصيل الأزمة، لا بد من الإقرار بحقيقة غائبة عند البعض. هناك تخصصات جامعية تتيح لأعضاءها فرصاً للعمل الخاص خارج أسوار الجامعة، مما قد يساعدهم جزئياً في تغطية متطلباتهم المعيشية. هذا أمر واقع ولا يمكن إنكاره.
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في التخصصات الأخرى التي لا يتوفر لها أي مجال للعمل الخاص. لا يجدون أمامهم سوى راتبهم الشهري الهزيل الذي ينتهي قبل منتصف الشهر.
وهنا يأتي الجزء الأكثر إيلاماً. تضخمت الأوضاع حتى وصلت إلى درجة أن بعض أساتذة الجامعات في تلك التخصصات يضطرون للعمل سائقين لدى شركات النقل الذكي، أو في اعمال أخرى لا تليق بالمهنة، ليتمكنوا من استكمال متطلبات معيشتهم في ظل حالة التضخم الشرس وضعف الراتب المهين. أي مجنون كان يتخيل هذا المشهد قبل ثلاثون عاما؟
المفارقة الأهم أن المادة 100 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات تضع قيوداً صارمة على ممارسة أي عمل خاص خارج أسوار الجامعة. وتشترط الحصول على تصريح من رئيس الجامعة، بعد موافقات من المجالس الأخرى بضوابط خاصة. إجراءات طويلة ومعقدة تجعل الحصول على هذا التصريح صعباً للكثيرين.
لكن الأدهى من ذلك أن العديد ممن يمارسون مهنتهم خارج أسوار الجامعة لم يحصلوا على هذا التصريح أصلاً ويخالفون القانون، ومن بينهم قيادات ووزراء سابقين. بعض هؤلاء يمارسون أعمالاً حرة أو استشارات دون أي تصريح، بينما يظل الأستاذ العادي تحت طائلة المساءلة لو حاول فعل نفس الشيء. هذه طبقية صامتة تخلق شعوراً عميقاً بالظلم والإحباط.
والأسوأ أن هذه الممارسات تولد انطباعاً خاطئاً لدى البعض بأن الأوضاع المالية للأساتذة "جيدة" أو "كافية"، لأن صناع القرار لا يشعرون بتلك المأساة ويرون نماذج لأساتذة في تخصصات معينة أو في مناصب قيادية يحققون دخلاً إضافياً كبيرا . فيتم تعميم هذا الانطباع خطأً، ويُحكم على كل الأساتذة بأنهم "لا يعانون"، بينما الحقيقة أن هناك عدداً كبيراً يعيشون حالة من العجز المالي اليومي.
لا تقتصر الفجوة على العمل الخاص فقط، بل تمتد إلى داخل الجامعات. هناك تخصصات تدرّس لدفعات طلابية ضخمة قد تصل إلى آلاف الطلاب، وبالتالي يحصل أعضاء تدريسها على مكافئة من بيع الكتاب الجامعي كل ترم. بينما هناك تخصصات أخرى تدرّس لدفعات قليلة جداً، وقد لا يتجاوز ما يتقاضاه الأستاذ منها بضع مئات من الجنيهات كل فصل دراسي. نفس الجهد، نفس التحضير، نفس المحاضرات، لكن العائد المالي يختلف.
وهناك غياب شبه كامل لعدالة توزيع المكافآت. فبينما تحصل بعض القيادات على مكافآت ببعض البنود تصل إلى أرقام بخمسة وستة أصفار ، يتقاضى الأستاذ العادي مكافأة لا تتجاوز ٥٠٠ جنيه شهرياً. نفس الجهود التي يبذلها الجميع بل يكون العبء الأكبر على القائم بالتدريس، لكن التوزيع بسخاء يذهب في اتجاه واحد فقط.
نتيجة لهذا الضغط المالي المتراكم، يضطر الأستاذ الجامعي إلى البحث عن أي فرصة إضافية تعوض جزءاً من العجز. بعضهم يحاول الانتداب لجامعة أهلية أو خاصة أو العمل بدولة عربية، أو التكالب على الإشرافات والمناقشات أو عضوية اللجان او تدريس برامج خاصة أو وافدين...
كلها فرص مشروعة، لكنها ليست متاحة للجميع، ولا عادلة في توزيعها.
وهذا يخلق حالة من التكالب على هذه الفرص، وتنشأ صراعات داخلية في الأقسام والكليات يصعب معها العمل في بيئة هادئة ومستقرة. الأستاذ يرى في زميله منافساً على لقمة عيش، لا شريكاً في رسالة علمية. تختفي الروح الجماعية، ويحل محلها الصراع والتحاسد. وهذه البيئة المشحونة بالتوتر والصراع هي آخر ما يحتاجه التعليم والبحث العلمي.
الخلاصة أن نظام تفتيت الراتب إلى أجزاء صغيرة (أساسي، بدلات، حوافز، لجان، إشرافات، مناقشات، مكافآت وافدين، حصيلة كتب، تدريس خاص، انتدابات..) لم يعد مجرد تعقيد إداري، بل أصبح أداة للسيطرة والصراعات واضعاف الجامعة. الأستاذ يظل في حالة "صيد مستمر" لاقتناص أي فرصة، بدلاً من أن يتفرغ لرسالته الأساسية.
مشكلة البرامج الخاصة التي تلجأ إليها الكليات كآلية للتمويل الذاتي بدعم من المسئولين، تحولت إلى فخ محكم يجعل الأستاذ أكثر فقراً وإرهاقاً كلما اجتهد. الآلية معروفة: المسئولون يطلبون من الأستاذ ابتكار برنامج خاص ليعوض ضعف راتبه مقابل أجر إضافي رمزي، والأستاذ يوافق لأنه يحتاج ، فتخترع البرامج الخاصة المشابهة لنفس محتوى البرامج المجانية، وتتكرر البرامج والتخصصات مع تغيير الاسم، لتحقق "فقط" أرباحاً ، بينما لا يرى الأستاذ سوى جزء بسيط من هذه الأرباح.
ومع زيادة عبء العمل، يقل تركيزه على التدريس العام المجاني والبحث العلمي، وتنخفض الجودة في كلا المجالين. الطالب في البرنامج الخاص يدفع كثيراً ويحصل على تعليم مشابه للمجاني، فيشعر أنه وقع ضحية. والطالب في التعليم العام يتلقى تعليماً أقل جودة لأن أستاذه مشغول ومرهق. النتيجة أن الجميع خاسر: الطالب الخاص خاسر، الطالب العام خاسر، الأستاذ خاسر صحته ووقته، والجامعة تخسر سمعتها على المدى البعيد.
وإذا كانت الحياة أثناء الخدمة صعبة، فإن ما بعد التقاعد هو الكارثة الحقيقية. أستاذ قضى عمره في خدمة العلم والطلاب عندما يبلغ سن التقاعد أن معاشه لن يتجاوز أربعة آلاف جنيه شهرياً، ولو أنهكه المرض وأصبح غير قادر على الحركة أو الاعتماد على نفسه، لابد له من الاستمرار في التدريس ليتقاضى مكافأة تعوض انهيار دخله.
التقاعد الذي كان يفترض أن يكون راحة، تحول إلى رعب يومي وقلق دائم .
هذا المشهد المؤلم لأستاذ منهك قد يكون مصاباً بالزهايمر يعمل بعد التقاعد ليعيش، لا يمر دون أن يراه المعيدون الشباب. هؤلاء المتفوقون الذين تخرجوا على رأس دفعاتهم، يقفون ويتأملون: أستاذي بعد رحلة عمر كاملة لا يزال يعاني؟ أستاذي لم يحقق حلمه رغم كل هذا العلم والتعب؟
ثم يتخذون القرار المنطقي بترك العمل، والذهاب إلى القطاع الخاص، أو الهجرة، لأنه لا يريد أن ينتهي به الحال مثل أستاذه. هكذا تفقد الجامعة المصرية دماءها الجديدة قبل أن تتكون، وتتحول إلى مؤسسة هرمة بلا شباب، بلا طموح، بلا مستقبل.
الخروج من هذه الأزمة المتراكمة يحتاج إلى إرادة حقيقية وإلى حزمة من الحلول المتكاملة:
أولاً: إعادة هيكلة الأجور بحيث يصبح الراتب الأساسي هو المكون الأكبر ليصل إلى ٨٠٪ من إجمالي الدخل وليس ٢٠٪ , وبدون تفتيت فالعمل تكليف وليس تشريف لمن يقتنص الفرصة.
ثانياً: تعديل جدول الرواتب الخاص بأعضاء هيئة التدريس ويوضع له حد ادنى مثلما وضع للقانون العام، بحيث يراعي التضخم المستمر ويتم مراجعته دورياً كل ثلاث سنوات بنص قانوني.
ثالثاً: إنشاء صندوق لاستكمال فرق الراتب والمعاش، تكون حصيلة موارده من تحصيل نسبة من دخل الجامعات الخاصة والأهلية والبرامج الخاصة والوافدين وفائض الموازنة من الجامعات الحكومية، واستحداث طابع بكل الجامعات يكون ملزماً على كل مستند يخصص قيمته لصالح الصندوق بدراسات اكتوارية.
رابعاً: وضع نظام شفاف وعادل لتوزيع المكافآت، يضمن حصول من يبذل الجهد فعلاً على نصيب عادل، بدلاً من احتكار القيادات لنصيب الأسد، ومراجعة ما سبق صرفه والالتزام بالحد الأقصى للدخل الذي نص عليه القانون.
خامساً: إنشاء صندوق مستقل لدعم البحث العلمي يمول من فائض بعض المشروعات القومية، ويتحمل تكاليف النشر الدولي وبراءات الاختراع وخروجها للنور.
لا توجد دولة يمكنها أن تبني جامعات قوية وتنهض وتتقدم، وأستاذ الجامعة فيها يعيش في حالة قلق يومي وبحث دائم عن لقمة العيش. الدولة التي توفر في رواتب العقول ستخسر العقول نفسها، ثم تكتشف متأخراً أنها وفرت القليل ولكن ما خسرته لن تستطيع تعويضه.
المسألة ليست أرقاماً في ميزانية، بل هي قرار استراتيجي يتعلق بمستقبل مصر وإرادة نهضتها. إما أن نستثمر في عقول علمائنا اليوم، أو ندفع الثمن غداً أضعافاً مضاعفة. فهل نختار بحكمة قبل فوات الأوان؟
القرار لكم والتاريخ يراقب.