رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من المذبح لـ بوحة .. أعمال فنية كشفت أسرار وكواليس تجارة اللحوم بالمجازر

إيجبتكِ

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تتوجه الأنظار نحو مهنة الجزار باعتباره البطل المحوري لهذه المناسبة الدينية؛ حيث اعتاد الجميع على هيئته المعهودة بملابسه الملطخة بدماء الأضاحي، وحمل أدواته الحادة التي رغم قسوة مظهرها، ترتبط في الأذهان ببهجة العيد وشعائره المباركة. ولم تكن السينما والدراما بمنأى عن هذا العالم؛ بل سارعت لتقديم شخصية الجزار في العديد من الأعمال الفنية، متأرجحة بين صياغة الصورة النمطية بصرامتها وحدتها المعروفة، وبين تقديم الوجه الآخر المتمثل في الشخصية الطيبة والفكاهية، وفي هذا التقرير، نرصد أبرز المعالجات الفنية والفنانين الذين جسدوا عالم الجزارة والمجازر على الشاشة.

تأتي الأعمال الواقعية في مقدمة الروافد الفنية التي اقتحمت هذا العالم المغلق لتكشف آليات عمله وقوانينه الصارمة. في فيلم "السلخانة" (1989) ، دارت الكاميرا مباشرة داخل المجزر الآلي لترصد الصراعات العنيفة التي تنشأ بين كبار تجار الماشية واللحوم. أظهر العمل  بوضوح كيف يفرض "المعلمون" كلمتهم على السوق، وكيف تدار التحالفات والمؤامرات الاقتصادية خلف الأبواب المغلقة، مبرزاً الجوانب النفسية والمهنية الصعبة للعاملين في هذا المجال.
وفي سياق مشابه، جاء فيلم "المدبح" (إنتاج عام 1985) ليعمق هذا الرصد، حيث غاصت حبكته الدرامية في تفاصيل صراع السيطرة والنفوذ بين حيتان التجارة داخل أسواق المذابح الشعبية.

أما السينما الكلاسيكية فقد قدمت تشريحاً اجتماعياً لأبعاد المهنة من خلال فيلم "السفيرة عزيزة" (إنتاج عام 1961)؛ حيث برع الفنان عدلي كاسب في تقديم شخصية المعلم "عباس"، مجسداً ببراعة نموذج الجزار الغشاش الذي يضرب بالأنظمة الصحية عرض الحائط عبر شراء لحوم غير مختومة من وزارة الصحة تحقيقاً لمكاسب غير مشروعة، وهو الدور الذي انتهى مساره خلف القضبان بالسجن لمدة ثلاث سنوات ضمن تصاعد أحداث الفيلم ليصبح رمزاً لرقابة القانون الحازمة.

حيتان الأسواق وتجارة المذابح: "حكمتك يا رب" و"على باب الوزير"

امتدت عين السينما لترصد أدق تفاصيل السطوة داخل المذابح من خلال نماذج فنية حُفرت في ذاكرة الجماهير؛ ففي فيلم "حكمتك يا رب" (إنتاج عام 1976)، قدم الفنان عادل أدهم واحداً من أبرز أدوراه الإبداعية عبر شخصية المعلم "زكي قدرة"، جزار المذبح النافذ، الذي أثرى السينما بعبارته الأيقونية الشهيرة التي رددها الجمهور لسنوات طويلة: "أدبح يا زكي يا قدرة.. يدبح زكي قدرة"، ليقدم الفيلم معالجة متميزة لطبيعة النفوذ والسيطرة داخل الأسواق وصراعات الخارجين عن القانون.

وفي إطار مشابه يعكس قوة المال وتأثيره الطبقي، اختار فيلم "على باب الوزير" (إنتاج عام 1982) زاوية تسلط الضوء على صعود الرأسمالية العشوائية عبر مهنة الجزارة، متجسدة في شخصية "حلاوة العنتبلي" التي قدمها الفنان صلاح نظمي، حيث ناقش الفيلم كيف يمكن للثراء السريع الناتح عن تجارة اللحوم أن يتحول إلى أداة للتحكم في الأسعار ومصائر الآخرين بسبب نفوذ المال والسيولة.

الكوميديا والإنسانية وسط الشوادر: "بوحة" و"الزوج العازب"

على الجانب الآخر، لم تخلُ المعالجة الفنية من النبرة الكوميدية واللمحة الإنسانية؛ ويبرز هنا فيلم "بوحة" (إنتاج عام 2005) كأحد أشهر الأعمال المعاصرة التي تناولت المهنة مع اقتراب العيد. من خلال رحلة شاب قروي بسيط يدخل عالم السلخانة والمذابح بحثاً عن حته، استطاع الفيلم تقديم المفارقات الكوميدية النابعة من تفاصيل المهنة، وصدمة البطل في مواجهة احتكار كبار التجار، مما جعله عملاً يربطه الجمهور تلقائياً بأجواء الذبح بسبب إيفيهاته الساخرة.

وفي فيلم "الزوج العازب" (إنتاج عام 1966)، اتخذت المعالجة بعداً إنسانياً دافئاً من خلال شخصية المعلم "عاشور" التي جسدها الفنان فريد شوقي، حيث ابتعد الفيلم عن الصورة النمطية للجزار الحاد والقاسي، ليقدم نموذجاً لابن البلد الشهم، خفيف الظل، والثري الذي يجمع بين هيبة المهنة وسط السكاكين واللحوم المعلقة، وبين الرقة والشهامة والتضحية في حياته الشخصية وعلاقاته الاجتماعية.

مرآة الأزمات المجتمعية: "المتزوجون" ومسلسل "في حاجة غلط"

امتد تأثير هذا العالم الاقتصادي والاجتماعي ليصل إلى خشبة المسرح والشاشة الفضية؛ ففي مسرحية "المتزوجون" (إنتاج عام 1976)، وظفت الكوميديا الساخرة مهنة الجزارة من خلال مشهد "محل الجزارة" الأيقوني للفنان نجاح الموجي في دور المعلم "مزيكا"، والذي شكل إسقاطاً اجتماعياً لاذعاً على أزمة غلاء الأسعار، وفقدان المواطن البسيط القدرة على شراء اللحوم وتعامله بالجرام.

وفي الدراما التلفزيونية، قدم مسلسل "في حاجة غلط" (إنتاج عام 1983) أبعاداً سلوكية هامة حول هذه التجارة، مستعرضاً كيفية تقاطع سوق اللحوم والمواشي مع الأزمات الحياتية واليومية للمواطنين، خاصة في فترات المواسم والأعياد التي يرتفع فيها الطلب بشكل كبير وما يرافقها من استغلال.

في النهاية، تظل هذه الأعمال بمثابة مرجع فني واجتماعي يوضح كيف نجحت الشاشة العربية في تفكيك عالم تجارة اللحوم والمجازر، محولةً الساطور والسكين من مجرد أدوات حادة، إلى رموز حية تعبر عن صراعات إنسانية واقتصادية شديدة التعقيد تتأرجح دائماً بين الواقعية والكوميديا.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء