محمود الصباغ يكتب: الأزمة الصامتة.. حين يهز جناح الفراشة الاقتصاد
تظل بعض الأزمات صامتة، غير مرئية في البداية، حتى تنفجر فجأة وتغير مجرى التاريخ.
أصف أنا «الأزمة الصامتة» بـ "الفوضى الخلاقة"، حيث تتراكم المشكلات الصغيرة التي يتغاضى عنها المجتمع والمؤسسات، لأنها تبدو تافهة أو محدودة التأثير في البداية.
هذا بالضبط ما تعبر عنه نظرية الفوضى الخلاقة أو "تأثير جناح الفراشة" (Butterfly Effect)، فضربة جناح بعوضة في الصين قد تسبب إعصاراً في الولايات المتحدة.
المشكلات الفردية الصغيرة لا تسبب أزمة بحد ذاتها، لكن كثرتها وتراكمها يولد عاصفة سياسية أو اقتصادية أو بيئية.
هنا يظهر الوسيط المستفيد الأكبر دائماً، سواء كان السماسرة بمختلف أشكالهم في أي قطاع، هذه الوساطة تخلق طبقة من التعقيد تجعل الفقاعة تبدو واقعية ومربحة، حتى تنفجر.
دروس من التاريخ
شهد العالم أمثلة عديدة على هذه الظاهرة، أبرزها أزمة 2008 المالية، التي بدأت كفقاعة عقارية في الولايات المتحدة.
بدأ الأمر بقروض "سوب برايم" لأشخاص ذوي دخل منخفض وملاءة ضعيفة، كانت القروض سهلة، والفوائد منخفضة في البداية، والأسعار العقارية ترتفع باستمرار.
تجاهل الجميع التحذيرات الصغيرة، من ارتفاع معدلات التعثر، وتضخم الأسعار بعيداً عن القيم الحقيقية، والمخاطر المخفية في أدوات التوريق المعقدة مثل CDOs.
عندما بدأت الأسعار تنخفض، تحولت المشكلات الصغيرة إلى إعصار، في مقدمتها إفلاس بنك ليمان براذرز، انهيار أسواق المال العالمية، وأزمة اقتصادية عالمية أثرت على ملايين الأسر، لكن الوسيطون (البنوك الاستثمارية والسماسرة) حققوا أرباحاً هائلة في الصعود، بينما دفع المجتمع والحكومات فاتورة الهبوط.
تكررت نماذج مشابهة في فقاعات عقارية أخرى حول العالم، سواء في اليابان في التسعينيات، أو في بعض الأسواق الناشئة.
يؤدي التراكم الصامت للمخاطر الصغيرة، مع غياب الرقابة الفعالة، إلى انفجار.
في السوق المصرية يبرز حديث هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي (CIB)، كمثال حي على هذه الأزمة الصامتة، حيث حذر عز العرب من التوسع السريع في نشاط التمويل غير المصرفي، خاصة شركات التمويل الاستهلاكي.
وصف بعض هذه الكيانات بأنها تشكل "قطاعاً مصرفياً موازياً"، حيث تصل إلى شرائح لا تصلها البنوك التقليدية، لكن بتكاليف مرتفعة وضوابط أقل.
أكد أنه ليس ضد القطاع بأكمله (الذي يضم آلاف الشركات)، بل يدعو إلى تشديد الرقابة على الممارسات المحفوفة بالمخاطر، خاصة مع نمو حجم بعض الكيانات الكبرى.
يتركز قلق عز العرب على أن "الشرارة الصغيرة" في هذا القطاع قد تهز الاقتصاد ككل، مشبهاً إياها بما حدث في أزمة السوب برايم.
ويرى أن الإفراط في التمويل بدون ضوابط قد يؤدي إلى تعثر المستهلكين، تراكم الديون، وفقاعة محتملة.
السؤال الجوهري.. هل نحن أمام أزمة صامتة جديدة تحتاج إلى ضبط للسوق؟ وهل التراكم الحالي للمخاطر الصغيرة في قطاعات التمويل والعقارات والديون سيبقى تحت السيطرة، أم أنه يبني فقاعة تنتظر الشرارة؟
الإجابة تكمن في الرقابة الاستباقية، تعزيز الشفافية، وتوازن بين الابتكار المالي والاستقرار، فالفوضى الخلاقة قد تولد نمواً، لكن بدون ضوابط، تتحول إلى إعصار يبتلع الجميع، الوقت مناسب للاستماع إلى التحذيرات قبل أن يصبح الصمت صاخباً.