رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تراجع صناعة الرسوم المتحركة في مصر: من ريادة "مشمش أفندي"إلى تحديات البقاء

صناعة الرسوم المتحركة
صناعة الرسوم المتحركة في مصر

شهدت صناعة الرسوم المتحركة في مصر محطات تاريخية بارزة وضعتها في مقدمة الدول العربية التي ولجت هذا المجال. وبالرغم من البدايات المبكرة القوية التي تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، إلا أن الإنتاج الحالي يواجه تراجعاً ملحوظاً في الكم والاستمرارية، وهو ما يثير تساؤلات ومخاوف لدى المتخصصين والمهتمين بالصناعة حول أسباب هذا الغياب وأبعاده الاقتصادية والثقافية.

وحينما عُرض فيلم "مشمش أفندي" في ثلاثينيات القرن الماضي على يد الأخوين "فرانكل"، كانت مصر تُسجل اسمها بحروف من نور كواحدة من أوائل الدول في الشرق الأوسط التي تدخل عالم الرسوم المتحركة. ريادة مبكرة تنبأت بمستقبل باهر لصناعة "الأنيميشن" المصرية؛ إلا أن الواقع الحالي يشير إلى مفارقة حادة، فبينما يمتد هذا التاريخ لأقرب من قرن، تحولت الشاشات المصرية والعربية لتصبح شبه خالية من الإنتاج المحلي، باستثناء ومضات رمضانية شهيرة مثل "بكار" و"بسنت ودياسطي"، ليطرح السؤال نفسه: أين اختفت الرسوم المتحركة المصرية ؟

البدايات التاريخية.. ريادة لم تكتمل

لم تكن الرسوم المتحركة في مصر مجرد محاولات هواة، بل بدأت كصناعة حقيقية طمحت لمنافسة استوديوهات عالمية كبرى مثل "ديزني". فبعد انطلاق هذه الصناعة على يد الأخوة "فرانكل" عام 1936 بابتكار شخصية "مشمش أفندي" في فيلم "مافيش فايدة"، والتي حققت نجاحاً جماهيرياً كبيراً وسجلت حضوراً لافتاً في دور العرض السينمائي، توالت محاولات ومساهمات رائدة من فنانين كبار.

وبرز في هذا السياق قامات مثل أنطوان سليم، والفنان علي مهيب (رائد الرسوم المتحركة المصرية في الستينيات والسبعينيات) الذي أسس مع شقيقه حسام مهيب أول استوديو رسوم متحركة في مصر، وقدموا أعمالاً وإعلانات مبتكرة حفرت في ذاكرة الأجيال وشكلت وجدان تلك المرحلة.

وفي أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، عاش الطفل المصري والعربي العصر الذهبي الثاني للأنيميشن المحلي بقيادة المخرجة الراحلة منى أبو النصر من خلال مسلسل "بكار" عام 1998، والذي ارتبط به الجمهور لسنوات طويلة كأول شخصية كرتونية مصرية تليفزيونية متكاملة. وتبعه أعمال مميزة اعتمدت على تقنيات أحدث مثل *"بسنت ودياسطي"، و"قبطان عزوز"، ومسلسل "قصص الحيوان في القرآن"، والتي تميزت بصبغة محلية واستعانت بنجوم الفن المصري في الأداء الصوتي. هذه الأعمال لم تكن مجرد ترفيه، بل حملت الهوية المصرية، العادات، والقيم المجتمعية بقالب كوميدي وقريب من القلوب، إلا أن هذه الطفرة لم تتحول إلى صناعة مستدامة، واقتصرت المحاولات على مبادرات متقطعة ترتبط غالباً بالمواسم الرمضانية.

التأثير الثقافي.. خطر غياب الهوية

خطورة قلة الأعمال الكرتونية المصرية لا تقتصر على الجانب الاقتصادي أو الترفيهي فحسب، بل تمتد خطورتها إلى الهوية الثقافية للطفل وتشكل وعيه. عندما يتربى الطفل المصري بالكامل على محتوى غربي أو آسيوي مدبلج، فإنه ينفصل تدريجياً عن لغته الدارجة، تفاصيل شارعه، وتاريخ بلده. الكرتون ليس تسلية، بل هو أداة تشكيل وعى.

لقد نجح "بكار" سابقاً في ربط أطفال مصر بأقاصي الصعيد وبلاد النوبة، ونجحت "بسنت" في إبراز الكوميديا والقرية المصرية؛ وغياب هذه النماذج البصرية الممتدة للأجيال الجديدة يترك وعي الطفل المعاصر بقعة بيضاء تشكلها ثقافات أخرى وقيم قد لا تتناسب مع المجتمع المحلي.

رأي النقاد: رؤية تحليلية للأزمة

في قراءة نقدية لواقع هذه الصناعة، ترى الناقدة الفنية "ماجدة خير الله" في حوار خاص لموقع إيجبتكٍ أن التراجع الحالي يعود إلى التكلفة الإنتاجية العالية التي دفعت الشركات الخاصة لإهمال هذا الفن وتجنب المخاطرة بتمويله، بعد أن شهدت البدايات استثماراً ناجحاً في بعض الأفلام والتترات. وأوضحت "خير الله" أن الأزمة تفاقمت مع غياب الدعم الحالي، فـ "ماسبيرو" قديماً  كان يشارك في التمويل، مما حوّل أي طفرة دافعة للمجال إلى مجرد "أفكار ومحاولات عابرة" لبعض المهتمين بغياب المظلة المستدامة. واختتمت بالإشارة إلى مفارقة أكاديمية واضحة؛ حيث يواصل قسم الرسوم المتحركة بمعهد السينما تخريج طاقات ومواهب فذة سنوياً .

آليات المواجهة: سبل استعادة الرسوم المتحركة المصرية لصدارتها

يعتمد الخروج من هذا النفق المظلم واستعادة الحضور المحلي على حزمة من الحلول التكاملية؛ تبدأ بضرورة صياغة شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص لتبني مشروعات كرتونية ضخمة تعيد للمؤسسات الإعلامية والإنتاجية الكبرى دورها في بناء الوعي المجتمعي. كما يتطلب الأمر توجيه الاستثمارات نحو المنصات الرقمية العربية والمصرية الناشئة كبوابات بديلة لعرض مسلسلات أنيميشن قصيرة ومكثفة تجذب الإعلانات وتخاطب الجيل الرقمي الجديد، بالتوازي مع توفير مظلة إنتاجية مؤسسية تجمع الطاقات الشبابية والخريجين وتثق في قدراتهم لتوظيفها بشكل مستدام يواكب التطور البصري العالمي. فإن تاريخ مصر مع "مشمش أفندي" والنجاح الساحق لـ "بكار" يثبتان أن الجينات الإبداعية موجودة والجمهور متعطش لمحتوى يشبهه، مما يعني أن الأزمة لا تكمن في ندرة الأفكار، بل في غياب "الإرادة الإنتاجية" القادرة على إعادة الروح والصدارة المفقودة للرسوم المتحركة المصرية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء