تسعى الدولة المصرية في السنوات الأخيرة، من خلال وزارة الثقافة، إلى تحقيق ما يمكن قوله أو وصفه بـ"العدالة الثقافية"، وهي الرؤية التي باتت واضحة على أرض الواقع في مختلف المحافظات المصرية، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وبالمناطق الحدودية التي ظلت لسنوات بعيدة عن المشهد الثقافي والفني.
ففي سيناء، وتحديدا بمدينة العريش التي حملت هذا العام لقب عاصمة الثقافة المصرية، شهدت المحافظة فعاليات ثقافية وملتقيات أدبية غير مسبوقة، أعادت الحياة إلى المشهد الإبداعي هناك؛ كذلك في مطروح، تتواصل أعمال تطوير قصور الثقافة والمباني الثقافية، كجزء من مشروع الدولة لبناء الإنسان المصري.
أما في حلايب وشلاتين، تلك المناطق التي قد لا يعرف كثيرون تفاصيل ثقافتها وتراثها، فقد شهدنا خلال الفترة الماضية فعاليات ومعارض متميزة، كان أبرزها معرض شلاتين، الذي حظي بإشادات واسعة، لما قدمه من صورة حقيقية تعكس التنوع الثقافي والتراثي الذي تتميز به هذه المناطق، ليدرك من يعلم ومن لا يعلم أن مصر تمتلك ثراء حضاريا وإنسانيا فريدا في كل بقعة من أراضيها.
لكن حين ترى البهجة في عيون الأطفال والأسر، وتجد الفن قادرا على جمع الناس ببساطة وعفوية، تدرك أننا نسير بالفعل على الطريق الصحيح نحو قوتنا الناعمة.
فالفن والثقافة لا يجب أن يقتصرا على القاعات المغلقة والمسارح التقليدية والأماكن التي قد لا يصل إليها الجميع، بل إن الثقافة الحقيقية هي التي تنزل إلى الشارع، وتذهب إلى المواطن في يومه العادي، دون تكلفة أو ترتيبات مسبقة، لتصبح حقا أصيلا لكل فرد، وليس امتيازا لفئة بعينها.
ومن هنا جاءت واحدة من أهم الأفكار الثقافية خلال السنوات الأخيرة، وهي فكرة “شارع الفن”، التي نجحت في تحويل الشارع المصري إلى مساحة مفتوحة للإبداع، واكتشاف المواهب، وتقديم الفن الراقي بصورة مجانية ومباشرة للجمهور.
وقد سبقت هذه الخطوة فعاليات عديدة نظمتها وزارة الثقافة بالتعاون مع وزارة النقل، من خلال تقديم عروض فنية وثقافية داخل محطات ومترو الأنفاق، تأكيدا لوصول الثقافة في كل مكان، سواء في الشوارع أو وسائل المواصلات أو الساحات العامة.
ومنذ أيام، افتتح الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مشروع “شارع الفن” بمنطقة الشريفين بوسط القاهرة، ليصبح هذا المكان نموذجا جديدا لتقديم الفن المصري في قلب الشارع، وبصورة تليق بتاريخ مصر الثقافي والحضاري.
ولم تكن الفكرة عابرة أو عشوائية، بل جاءت مدروسة بعناية، انطلاقا من إيمان الدولة، ووزارة الثقافة على وجه الخصوص، بأهمية إعادة الفن الجميل إلى الناس، وتقديمه للأجيال الجديدة في صورة بسيطة ومجانية ومباشرة.
وبالفعل، استطاعت الدولة من خلال هذه التجربة أن تحقق مفهوم “العدالة الثقافية” داخل المدن المصرية، لا في المحافظات الحدودية فقط، بل في قلب القاهرة نفسها، التي كانت بحاجة إلى مثل هذا الكرنفال الثقافي المفتوح.
وخلال زيارتي بوسط البلد مساء يوم الجمعة الماضية، كعادتي في التجول بمنطقة طلعت حرب والشوارع المحيطة بها، لم أستطع تجاهل هذا الحدث، فقررت الذهاب إلى شارع الفن ومشاهدة ما يحدث هناك على أرض الواقع.
الحقيقة أن ما رأيته كان أكبر بكثير مما توقعته.. فوجدت الشارع تحول إلى معرض مفتوح للفن والإبداع، ومسرح للفنون الشعبية، ومنصة للأصوات الشابة، في مشهد مبهج يعكس روح مصر الحقيقية.
في هذا المكان، يقف الغني إلى جوار الفقير، والكبير بجانب الصغير، والجميع يشاهد الفن المصري مجانًا دون حواجز أو تعقيدات.
لم يقتصر الحضور على المصريين فحسب، بل شاهدت عددًا كبيرًا من السياح والأجانب يتابعون العروض بإعجاب، ويتعرفون على جانب مهم من القوة الناعمة المصرية، تلك القوة التي صنعت مكانة الدول الفنية والثقافية على مدار عقود طويلة.
وأعتقد أن “شارع الفن” ليس مجرد فعالية مؤقتة، بل هو ماراثون ثقافي وفني يومي، يستهدف كل زوار هذه المنطقة التاريخية والسياحية المهمة، واختيار المكان لم يكن مصادفة، بل جاء مدروسا بعناية ليصبح الفن جزءا أساسيا من تجربة زيارة وسط القاهرة.
ومن هنا، أتمنى أن تحظى هذه المبادرة بدعم أكبر من مختلف المؤسسات الثقافية والفنية في مصر، وألا تقتصر الفعاليات على نوع واحد من الفنون، بل تمتد لتشمل معارض الكتب، والحرف التراثية، والأمسيات الأدبية والشعرية، وورش الأطفال، والعروض الموسيقية والمسرحية، بما يناسب مختلف الأعمار والأذواق، ويجب أن تتكرر هذه التجربة في كل شارع وحي ومدينة ومحافظة، لا في القاهرة وحدها، حتى تصبح الثقافة أسلوب حياة يوميا للمصريين جميعا.
كما أن تعاون المؤسسات الثقافية المختلفة، مثل دار الأوبرا المصرية، وأكاديمية الفنون، وصندوق التنمية الثقافية، والهيئة العامة لقصور الثقافة، يمكن أن يمنح هذه المبادرة قوة واستمرارية أكبر، خاصة مع ما تمتلكه هذه الجهات من فرق فنية ومواهب وإمكانات قادرة على تقديم صورة حضارية تليق بمصر.
إن نجاح “شارع الفن” يؤكد أن الثقافة حين تخرج إلى الناس، تصبح أكثر تأثيرا وحضورا، وأن الفن لا يزال قادرا على صناعة الوعي، ونشر الجمال، ومواجهة الأفكار المتطرفة، وبناء أجيال جديدة أكثر وعيا وانتماء.
تحية كبيرة للدولة المصرية على هذا الجهد والرؤية، وعلى هذا الإيمان الحقيقي بأن بناء الإنسان يبدأ من الثقافة والفن والجمال.