مسجد المحلي برشيد.. تحفة عثمانية تجسد عظمة العمارة الإسلامية في البحيرة
في قلب مدينة رشيد التاريخية بمحافظة البحيرة، يقف "مسجد المحلي" كواحد من أبرز المعالم الإسلامية الأثرية، محتلًا مكانة دينية ومعمارية استثنائية، باعتباره ثاني أكبر مساجد المدينة بعد مسجد "زغلول" الأثري الشهير.
ولا تقتصر قيمة المسجد على الجانب الروحاني فحسب، بل يمثل حلقة وصل تاريخية نادرة؛ إذ يتربع بموقعه الفريد في قلب السوق العمومية لمدينة رشيد، شاهداً حياً على التداخل الإبداعي بين الحياة الدينية والنشاط التجاري في واحدة من أعرق المدن المصرية، والتي تأتي في المرتبة الثانية بعد القاهرة الفاطمية من حيث زخم وكثافة الآثار الإسلامية.
يعود تاريخ تشييد هذا الصرح الأثري إلى عام 1134 هـ (1722 م) خلال العصر العثماني، حيث أُقيم فوق ضريح الشيخ علي المحلي، الذي وافته المنية عام 901 هـ.
ويعكس المسجد خصوصية معمارية نادرة تخالف الأنماط السائدة؛ إذ يقع الضريح داخل رواق القبلة نفسه، وتحديداً في حجرة مربعة تذخر بالزخارف البديعة، بدلاً من فصله في ملحق جانبي مستقل كما هو معتاد في المساجد الأثرية الأخرى.
99 عمودًا و4 مداخل.. روعة التخطيط العثماني
يمتد المسجد على مساحة شاسعة تبلغ نحو 2300 متر مربع، ويتميز بتصميمه الذي يتبع طراز "المساجد ذات الأروقة والصحن المكشوف". ويضم الصرح 99 عموداً و4 مداخل رئيسية تعكس عبقرية الهندسة الإسلامية، فضلاً عن احتوائه على مكتبة عريقة تضم مجموعة من المخطوطات والكتب النادرة، مما عزز مكانته عبر العصور كمنارة ثقافية وعلمية إلى جانب دوره التعبدي.
وللمسجد واجهتان رئيسيتان تزيدانه مهابة؛ فالواجهة الشرقية تحتضن ثلاثة مداخل رئيسية، يتجاور فيها شباك سبيل نحاسي محاط بأشرطة رخامية يعلوه شباك مزدوج، وتضم كذلك حجرة الإمام والكتّاب، في حين تتطابق الواجهة الجنوبية معها في ذات النسق الزخرفي الفريد.
سحر التصميم الداخلي
ينبض المسجد من الداخل بتناغم معماري مبهر، حيث يتكون من 12 باكية تحملها أعمدة متنوعة الأشكال والأحجام، ترتكز عليها عقود متصلة بسقف خشبي صُمم وزُخرف بعناية فائقة، بينما تضفي الشرفات نصف الدائرية القائمة على قواعد متينة في الصحن، إحساساً بالرحابة والسكينة.
وتكتمل اللوحة الفنية للمسجد بمجموعة من العناصر المعمارية التي تروي التاريخ: المحراب: يتوسط جدار القبلة بحنية نصف دائرية تزدان بزخارف دقيقة، والمنبر: صُنع من خشب الخرط الفاخر، وحُفرت عليه نقوش كتابية بخط النسخ، والمئذنة: ترتفع في الزاوية الجنوبية الشرقية، وتتكون من ثلاثة طوابق شامخة تنتهي بشرفة ترتكز على مقرنصات مزخرفة، والضريح: حجرة مربعة داخل رواق القبلة، تتكامل فيها الأخشاب والزخارف الجصية لتعكس عبق الماضي.
ويبقى "مسجد المحلي" واحدًا من أثمن الكنوز الأثرية بمحافظة البحيرة، وشاهدًا خالدًا على عظمة العمارة الإسلامية في رشيد، حاملًا بين جدرانه عبق التراث المصري الأصيل الذي يستهوي قلوب الزائرين وعقول الباحثين.