رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

محمد شافعي: الثقافة أمن قومي ولا يجوز تقييد حرية النشر| خاص

محمد شافعي
محمد شافعي

قال الكاتب والمؤرخ محمد شافعي إنه يود التأكيد على رؤيته بشأن الجدل الدائر حول آلية الحصول على رقم الإيداع من دار الكتب والوثائق القومية، وما أُثير مؤخرًا بشأن طلب تقديم نسخة “ورد” قابلة للتعديل من الأعمال الأدبية المقدمة للحصول على رقم الإيداع، موضحًا أن هذه المسألة تثير العديد من التساؤلات الجادة حول طبيعة العلاقة بين الكاتب والمؤسسة الرسمية، وحول حدود الدور المنوط بكل جهة داخل منظومة النشر في مصر.

وأوضح شافعي في تصريحات خاصة لـ إيجبتك أن أي كاتب أو دار نشر عندما يتوجه إلى دار الكتب للحصول على رقم الإيداع، فإنه يقوم بتسليم نسخ من العمل وفقًا للإجراءات المعمول بها، إلا أن الإشكالية الحالية من وجهة نظره تتعلق بطبيعة الطلب الجديد المتعلق بملف “ورد”، معتبرًا أن هذا النوع من الملفات يختلف جذريًا عن النسخ النهائية المخصصة للنشر، لأنه ملف قابل للتعديل والحذف والإضافة، وهو ما يثير مخاوف مهنية ومبدئية لدى العاملين في مجال النشر.

وأضاف شافعي أن مصر دولة مؤسسات، وأن مفهوم دولة المؤسسات يقوم على وجود تخصصات واضحة لكل جهة، مشيرًا إلى أن هناك مثلًا شعبيًا يقول “ادي العيش لخبازه”، في إشارة إلى ضرورة إسناد كل ملف إلى الجهة الأكثر خبرة وكفاءة فيه، موضحًا أن هناك كيانًا مهمًا جدًا في منظومة النشر وهو اتحاد الناشرين المصريين، وهو الجهة المنوط بها مناقشة القرارات والقوانين المتعلقة بالنشر في مصر، والتعبير عن موقف الناشرين والكتّاب بشكل مؤسسي.

وأشار إلى أنه يتحدث في هذا الموضوع ليس فقط بصفته كاتبًا، وإنما أيضًا بصفته مؤرخًا وصاحب تجربة طويلة تمتد لأكثر من خمسة وأربعين كتابًا من مؤلفاته، فضلًا عن عمله السابق في إدارة وإشراف إصدارات ثقافية كبرى، موضحًا أنه كان مسؤولًا عن إصدارات دار الهلال، حيث تولى رئاسة تحرير عدد من السلاسل والمجلات، من بينها مجلة الهلال وكتاب الهلال ورواية الهلال والهلال العربي وسلسلة تاريخ مصر، وهو ما منحه خبرة مباشرة في آليات النشر والتعامل مع المؤسسات الرسمية.

التعامل مع دار الكتب

وأوضح شافعي أن التعامل مع دار الكتب عبر السنوات كان يشهد مراحل تطور تدريجية، حيث كان في فترات سابقة يتم الاكتفاء بإرسال غلاف الكتاب فقط للحصول على رقم الإيداع، ثم تطور الأمر لاحقًا إلى طلب نسخة إلكترونية بصيغة PDF، باعتبار أن دار الكتب جهة معنية بحفظ الأصول وتوثيقها، ثم بعد ذلك تم اعتماد تقديم خمس نسخ ورقية من كل إصدار، وهو ما اعتبره تطورًا إداريًا في الإجراءات.

لكنه أشار إلى أن ما يحدث الآن من اشتراط تقديم نسخة “ورد” يمثل نقلة مختلفة تمامًا عن كل المراحل السابقة، لأن ملف “ورد” بطبيعته ليس نسخة نهائية، وإنما نسخة قابلة للتعديل، وهو ما يفتح بحسب وصفه بابًا واسعًا للتدخل في النصوص، سواء بالحذف أو الإضافة أو التعديل، وهو ما لا يتوافق مع مفهوم حماية النص الإبداعي كما هو قبل النشر.

وأضاف أن المشكلة الأساسية ليست فقط في نوع الملف المطلوب، وإنما في الفكرة ذاتها، وهي فكرة السماح بتداول نسخة قابلة للتعديل من العمل الأدبي قبل نشره، موضحًا أن ذلك قد يؤدي إلى الإضرار بالمنتج الأدبي سواء عبر تعديل غير مبرر أو تشويه أو إساءة استخدام للنص الأصلي، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لحقوق المؤلفين.

منح ورقم الإيداع

وأشار إلى أن دار الكتب، بحسب وظيفتها الأساسية، هي مؤسسة توثيقية معنية بحفظ الإنتاج الفكري والأدبي بعد صدوره، ومنح رقم الإيداع باعتباره إجراءً قانونيًا يثبت ملكية العمل وتاريخه، وليس جهة رقابية أو مؤسسة يحق لها التدخل في المحتوى الإبداعي أو تعديل بنيته.

وأوضح أن أي دار نشر في أي دولة في العالم لها خطوط عامة ومعايير واضحة لما تنشره وما لا تنشره، وأن هذا الأمر لا يتعلق بالرقابة فقط، وإنما بسياسات مهنية داخل كل مؤسسة نشر، مضيفًا أنه خلال عمله في دار الهلال كان هناك وضوح في ما يُنشر وما لا يُنشر، مثل عدم نشر محتوى يمس الأديان أو يتضمن إساءة مباشرة أو تجاوزات أخلاقية، مع السماح في الوقت نفسه بمناقشة القضايا السياسية والتاريخية والأدبية بحرية كاملة.

التحولات في إجراءات الإيداع

وأضاف أن التحولات المتكررة في إجراءات الإيداع من الاكتفاء بالغلاف إلى PDF ثم إلى النسخ الورقية ثم إلى ملف “ورد” تعكس، من وجهة نظره، حالة من عدم الاستقرار في إدارة الملف الثقافي، وهو ما يؤدي إلى حالة من الارتباك لدى الكتاب والناشرين على حد سواء.

وأكد أن الأزمة لا تتعلق بالإجراءات فقط، بل تتعلق أيضًا بغياب الحوار الثقافي الحقيقي مع المثقفين والجهات المعنية قبل اتخاذ قرارات تمس صناعة النشر بشكل مباشر، مشددًا على أن أي قرار بهذا الحجم يجب أن يكون مسبوقًا بنقاش موسع مع الأطراف المهنية ذات الصلة.

أسعار الورق

وتطرق شافعي إلى التحديات الاقتصادية التي تواجه صناعة النشر في مصر، موضحًا أن أسعار الورق والأحبار وقطع غيار المطابع شهدت ارتفاعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب نقص بعض الخامات، وهو ما أدى إلى زيادة أسعار الكتب بشكل ملحوظ مقارنة بالماضي، حيث كان الكتاب في فترات سابقة يُباع بأسعار بسيطة تسمح بانتشاره على نطاق واسع بين القراء.

وأشار إلى أن هذا الارتفاع في الأسعار أدى بدوره إلى تراجع معدلات القراءة، ليس فقط بسبب التكلفة، ولكن أيضًا بسبب تغير أولويات الجمهور، وهو ما ينعكس على دور النشر وعلى المشهد الثقافي بشكل عام.

وأكد أن مصر كانت في فترات سابقة من الدول الرائدة في مجال النشر وإصدار الكتب على مستوى العالم، حيث كانت الكتب تصدر بأسعار منخفضة وتصل إلى شرائح واسعة من المجتمع، وهو ما ساهم في انتشار الثقافة والتنوير بشكل كبير.

الثقافة أمن قومي

وشدد على أن الثقافة تمثل عنصرًا أساسيًا من عناصر الأمن القومي، موضحًا أن دعمها لا يقل أهمية عن دعم أي قطاع سيادي آخر، لأنها تمثل خط الدفاع الأول ضد التطرف والانحرافات الاجتماعية.

وأضاف أن المثقف يلعب دورًا محوريًا في مواجهة الإرهاب والتطرف والبلطجة والانحرافات السلوكية، من خلال نشر الوعي وتعزيز الفكر المستنير، مشيرًا إلى أنه لا توجد وسيلة أكثر فاعلية من الثقافة في حماية المجتمع وبناء وعيه.

واختتم الكاتب محمد شافعي تصريحاته بالتأكيد على أن أي تضييق على حرية التعبير أو تقليص لمساحات الإبداع لا يخدم الدولة ولا المجتمع، بل ينعكس سلبًا على صورتها الخارجية ومكانتها الثقافية، داعيًا إلى ضرورة إعادة النظر في السياسات المنظمة لقطاع النشر، وفتح حوار حقيقي وجاد مع المثقفين والناشرين قبل إصدار أي قرارات جديدة تمس هذا القطاع الحيوي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء