"عاش هنا".. مبادرة لتوثيق منازل المبدعين وإحياء الذاكرة الوطنية
يواصل الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، برئاسة المهندس محمد أبو سعدة، تنفيذ مشروع "عاش هنا" الذي يستهدف توثيق وإحياء الذاكرة الثقافية والتراثية للمجتمع المصري، من خلال حصر وتسجيل المنازل التي عاش بها كبار المبدعين والرواد في مختلف المجالات، وتحويلها إلى علامات دالة داخل النسيج العمراني للمدن المصرية، عبر لوحات تعريفية تُثبت على واجهات هذه المنازل وتقدم معلومات مختصرة عن الشخصيات وأهم إسهاماتها في مجالات الأدب والفن والموسيقى والصحافة والعمارة والفكر، بما يجعل هذه المواقع جزءًا من الذاكرة التاريخية الحية داخل الشارع المصري.
لوحات تعريفية تربط المكان بالتاريخ
يعتمد مشروع "عاش هنا" على وضع لوحات تعريفية ثابتة على واجهات المنازل التي ارتبطت بحياة الشخصيات المستهدفة، بحيث تتضمن هذه اللوحات اسم الشخصية بالكامل وتاريخ الميلاد والوفاة، إلى جانب نبذة تعريفية موجزة عن أبرز الأعمال والإنجازات التي قدمتها خلال مسيرتها، مع إضافة رمز الاستجابة السريعة "QR Code" الذي يتيح للزائرين والمواطنين الوصول إلى قاعدة بيانات موسعة عبر الموقع الإلكتروني الرسمي للمشروع، والذي أطلقه مركز معلومات مجلس الوزراء بالتعاون مع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، بما يوفر محتوى معرفي تفصيلي حول كل شخصية ومجال تأثيرها.
ويأتي هذا التوجه في إطار تحويل المباني السكنية المرتبطة بالمبدعين إلى نقاط توثيق ثقافي داخل المدن، بحيث لا تظل مجرد وحدات عمرانية، بل تتحول إلى شواهد حية على تاريخ شخصيات أثرت في تشكيل الوعي الثقافي والفني والفكري في مصر، مع تعزيز حضور هذه السير الذاتية في المجال العام بصورة مبسطة ومباشرة.
ربط الأجيال الجديدة بالذاكرة الثقافية
ويستهدف المشروع إعادة ربط الأجيال الجديدة بتاريخ رموزها من خلال المكان، عبر إتاحة معلومات دقيقة حول الشخصيات التي ساهمت في بناء الهوية الثقافية المصرية، وإبراز الدور الذي لعبه كل منهم في مجاله، سواء في الأدب أو الموسيقى أو المسرح أو الصحافة أو العمارة أو الفكر، بما يعزز إدراك المواطنين لقيمة هذه الرموز وتأثيرها الممتد عبر الزمن.
كما يسعى المشروع إلى إحياء العلاقة بين الإنسان والمكان، من خلال إبراز المنازل التي شهدت حياة هذه الشخصيات باعتبارها جزءًا من السرد التاريخي والثقافي للمدن المصرية، وتحويلها إلى عناصر فاعلة داخل النسيج الحضري تحمل بعدًا معرفيًا وتوثيقيًا، بدلًا من بقائها مجرد مبانٍ سكنية منفصلة عن السياق التاريخي.
نجيب محفوظ وعمار الشريعي ضمن أبرز الأسماء
وضمت المرحلة الأولى من مشروع "عاش هنا" مجموعة من أبرز الرموز التي تركت أثرًا واضحًا في الحياة الثقافية والفنية في مصر، في مقدمتهم الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي وُضعت لافتة توثيقية على المنزل الذي عاش فيه بمنطقة العجوزة، باعتباره أحد أهم رموز الرواية العربية الحديثة وصاحب تجربة أدبية وثقت تفاصيل المجتمع المصري عبر مراحل تاريخية مختلفة، وأسهمت أعماله في تشكيل الوعي الأدبي والثقافي على المستويين المحلي والعالمي.
كما شملت المرحلة الأولى الموسيقار عمار الشريعي، الذي ارتبط اسمه بالموسيقى التصويرية للأعمال الدرامية والغنائية، والفنان سيد مكاوي الذي يعد من أبرز رموز الموسيقى الشعبية والغناء التراثي، إلى جانب الشاعر فؤاد حداد الذي ارتبط اسمه بالشعر العامي والتعبير عن قضايا المجتمع، والفنان يوسف وهبي الذي يُعد من رواد المسرح والسينما في مصر وصاحب تأثير كبير في تاريخ الفنون الأدائية.
رموز الصحافة والعمارة والفكر ضمن المشروع
وامتد المشروع ليشمل عددًا من الشخصيات البارزة في مجالات الصحافة والفكر والعمارة، من بينهم الكاتب الصحفي محمد التابعي الذي لعب دورًا مهمًا في تطوير الصحافة المصرية الحديثة، والمعماري رمسيس ويصا واصف الذي ساهم في وضع بصمة واضحة في مجال العمارة والفنون المرتبطة بها، والمعماري علي لبيب جبر الذي ارتبط اسمه بعدد من الأعمال المعمارية ذات الطابع المميز.
كما شملت القائمة المفكر والفيلسوف زكي نجيب محمود الذي يعد أحد أبرز أعلام الفكر العربي الحديث، حيث يسهم المشروع في إبراز إسهاماته الفكرية والفلسفية التي أثرت في مسار الثقافة المصرية والعربية، مع توثيق سيرته في المكان الذي ارتبط بحياته اليومية.
لجنة متخصصة لاختيار وتدقيق الشخصيات
وفي إطار تنفيذ المشروع، شكّل الجهاز القومي للتنسيق الحضاري فريق عمل متخصص لجمع وتدقيق البيانات والمعلومات الخاصة بالمبدعين والرواد في مختلف المجالات، بما يضمن دقة المحتوى المقدم على اللوحات التعريفية، إلى جانب لجنة تضم نخبة من المثقفين والخبراء في مجالات التاريخ والفنون والعمارة والثقافة، تعمل على مراجعة واختيار الشخصيات الأكثر تأثيرًا وإسهامًا في مجالاتها المختلفة.
وتضم اللجنة عددًا من الأسماء البارزة مثل الدكتور عماد أبو غازي، والكاتب خالد الخميسي، والدكتور خالد عزب، والمعماري طارق والي، والدكتور محمد عفيفي، إلى جانب عدد من المتخصصين في مجالات الثقافة والفنون.
ويأتي مشروع "عاش هنا" في إطار رؤية شاملة تهدف إلى دمج التاريخ بالمكان داخل النسيج العمراني للمدن المصرية، من خلال تحويل المنازل المرتبطة بالمبدعين إلى علامات توثيقية حية داخل المجال العام، بما يسهم في الحفاظ على الذاكرة الوطنية وتعزيز الوعي الثقافي لدى المواطنين، وإتاحة المعرفة التاريخية بصورة مباشرة وسهلة الوصول للأجيال الحالية والقادمة.