رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

محمد علي باشا وقصة تحويل مصر من “زراعة الفيضان” إلى دولة الترع والري

محمد علي باشا وقصة
محمد علي باشا وقصة القناطر

يُعد محمد علي باشا نقطة تحول مهمة في تاريخ الزراعة والري في مصر، حيث وضع أسس تطوير شبكة الترع والقناطر بهدف تنظيم استخدام مياه النيل، وقد ساهمت مشروعاته في نقل مصر من الاعتماد على الري الموسمي بالفيضان إلى نظام الري الدائم، مما مهد لنهضة زراعية واسعة في الدلتا.

رؤية مبكرة لتغيير نظام الري في مصر

أوضح الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية، عبر حسابه الرسمي على “فيسبوك” أن القائد الألباني محمد علي، بعد استقرار حكمه لمصر (مايو 1805 – سبتمبر 1848)، لاحظ أن أراضي الدلتا كانت تُزرع مرة واحدة فقط في الشتاء اعتمادا على مياه الفيضان المخزنة في التربة، في انتظار فيضان النيل الذي كان يبدأ في يوليو من كل عام ويغمر الأرض لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر حتى أكتوبر.

محمد علي باشا وقصة تحويل مصر من “زراعة الفيضان” إلى دولة الترع والري
محمد علي باشا وقصة تحويل مصر من “زراعة الفيضان” إلى دولة الترع والري

وأضاف أن محمد علي، وفقا لما نشره، تساءل عن سبب الاعتماد الكامل على الفيضان رغم عدم انتظامه كل عام، مشيرا إلى أنه قال لمعاونيه إن الفيضان قد لا يأتي بانتظام، فلماذا لا يتم استغلال باقي السنوات في الزراعة المروية بدلا من الزراعة الموسمية؟

الاستعانة بالخبرات الأجنبية ووضع خطة للترع

وأشار نور الدين إلى أن محمد علي استقدم كبار المهندسين من فرنسا مع خبراء الري في مصر عام 1837، وطلب منهم وضع تصور لشق ترع لري أراضي الدلتا التي تبلغ مساحتها نحو 4.35 مليون فدان.

وأوضح أن الخبراء أشاروا إلى أن التحول للزراعة المروية يستلزم شق العديد من الترع لتوصيل المياه إلى كل مناطق الدلتا، لافتين إلى ضرورة رفع منسوب المياه نظرا لقلة انحدار الدلتا لقربها من المصب.

فكرة القناطر وفروع النيل الجديدة

وأضاف أنه تم التوصل إلى أن الحل يتمثل في إقامة قناطر عند نقطة تفرع نهر النيل إلى فرعي رشيد ودمياط، بما يرفع منسوب المياه خلف الدلتا، فتندفع المياه عبر القناطر إلى الترع وتصل إلى مختلف أنحاء الدلتا.

وتابع أن الخبراء أشاروا أيضًا إلى أن فرعي رشيد ودمياط لن يكونا كافيين لتغطية احتياجات الري، لذلك تقرر إنشاء ثلاثة فروع إضافية للنيل أُطلق عليها “الرياحات”، وهي الرياح البحيري والمنوفي والشرقي (الذي أصبح لاحقا التوفيقي)، لتغطية شرق ووسط وغرب الدلتا.

محمد علي باشا وقصة تحويل مصر من “زراعة الفيضان” إلى دولة الترع والري
محمد علي باشا وقصة تحويل مصر من “زراعة الفيضان” إلى دولة الترع والري

شبكة ري متكاملة للدلتا

ولفت إلى أن هذه المنظومة أسست لشبكة واسعة من الترع الرئيسية والفرعية وترع التوزيع وصولا إلى المساقي داخل أراضي الفلاحين، مؤكدًا أنها شكلت الأساس لنظام الري الحديث في مصر.

بدء التنفيذ وتكلفة المشروع

وأشار إلى أن العمل بدأ فعليًا في إنشاء القناطر وفروع الرياح عام 1848، وهو عام وفاة محمد علي، بتكلفة مبدئية بلغت مليون جنيه مصري، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت.

توقف العمل بالقناطر في عهد عباس الأول

أشار الدكتور نادر نور الدين، إلى أنه بعد وفاة الوالي محمد علي، الذي أنجب 30 ولدا وبنتا، تولى الخديو عباس الحكم، موضحا أنه أوقف العمل في القناطر لمدة عشر سنوات بسبب إنهاك الاقتصاد المصري في إنشاء الجيش والسفن وفتوحات إفريقيا والحجاز والشام حتى حدود تركيا، إلى جانب إنشاء مدارس لتعليم المهن المختلفة.

استئناف العمل في عهد الخديو توفيق

وأضاف أنه مع تولي الخديو توفيق الحكم تم استئناف العمل في القناطر، مشيرًا إلى أن تكاليفها وصلت إلى 1.350 مليون جنيه، موضحًا أنها بدأت تعمل بالفعل، ووصلت الترع إلى جميع مراكز وقرى الدلتا، مما أدى إلى بدء الزراعة المروية طوال العام.

تحول الدلتا من البراري إلى أراضٍ زراعية

ولفت إلى أن منطقة وسط وغرب الدلتا كانت عبارة عن أدغال وأحراش وبرك وبراري مغمورة بالمياه تنمو عليها البوص والحشائش، موضحا أنها كانت تُسمى “البراري”، وأشار إلى أن الخديو أمر بتطهيرها وتحويلها إلى أراضٍ زراعية، حتى أصبحت محافظة كفر الشيخ حاليًا، تيمنا بالشيخ إبراهيم الدسوقي القادم من المغرب.

محمد علي باشا وقصة تحويل مصر من “زراعة الفيضان” إلى دولة الترع والري
محمد علي باشا وقصة تحويل مصر من “زراعة الفيضان” إلى دولة الترع والري

استصلاح أراضٍ شاسعة في الدلتا

وأوضح أنه تم اكتساب مساحة كبيرة من الأراضي الخصبة السمراء تقارب المليون فدان في كفر الشيخ ومحافظة البحيرة المجاورة من جهة الغرب، مشيرا إلى أن اسم البحيرة يعكس طبيعتها السابقة.

قناة السويس وترعة الإسماعيلية وبداية المدن الزراعية

وقال إن مع حفر قناة السويس كان يتم نقل الماء والغذاء للعمال بالجمال، موضحًا أن محافظة بورسعيد ما زالت تحتفظ بساحة تجمع الجمال والتي سُميت بحي المناخ، مضيفًا أن التفكير لاحقًا اتجه لاستغلال القناطر في شق ترعة إلى منطقة قناة السويس، عُرفت بترعة الإسماعيلية نسبة إلى الخديو إسماعيل.

محمد علي باشا وقصة تحويل مصر من “زراعة الفيضان” إلى دولة الترع والري
محمد علي باشا وقصة تحويل مصر من “زراعة الفيضان” إلى دولة الترع والري

نشأة الإسماعيلية وشبكة الترع ومحور القناة

وأشار إلى أنه تم إنشاء مدينة زراعية جديدة وجلب سلالات المانجو من الهند، موضحا أن ذلك ساهم في شهرة الإسماعيلية بالمانجو، كما تم توصيل الترع إلى السويس وبورسعيد، مما ساعد على إنشاء مجتمعات زراعية على طول محور قناة السويس وتشجيع الاستقرار السكاني.

شبكة زراعية ممتدة ودور القناطر في التنمية

وأضاف أن أراضي زراعية امتدت بطول 180 كم من السويس إلى بورسعيد، موضحا أنه تم إنشاء طريق الإسماعيلية الزراعي وعدد من القرى مثل التل الكبير والقصاصين والبعلوه وبلبيس وصولًا إلى شبرا، مؤكدًا أن هذه الشبكات ساهمت في خلق مجتمعات زراعية وتجارية وتصديرية.

فكر أسرة محمد علي في التعمير واستصلاح الأراضي

واختتم بالقول إن هذا هو فكر التعمير والتنمية واستصلاح الأراضي الذي أسسته أسرة محمد علي، مؤكدا أن الزراعة وشبكات الري كانت الأساس في بناء المجتمعات العمرانية في مصر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء