رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ذكرى وفاته..محطات من مسيرة سمير صبري السينمائية والإنسانية

النجم الراحل سمير
النجم الراحل سمير صبري

تطلّ علينا ذكرى رحيل الفنان القدير سمير صبري، لتستدعى من ذاكرة الفن العربي ملامح البهجة الممزوجة بوقار الشجن، ولتؤكد أن غياب هذا المبدع لم يكن مجرد رحيل عابر لنجم سينمائي، بل كان غيابًا لمؤسسة ثقافية وفنية وإعلامية متكاملة الأركان. لم يكن سمير صبري مجرد رقم في معادلة الفن المصري، بل كان هو المعادلة ذاتها في حيويتها وتنوعها؛ إذ نجح بروح ابن الإسكندرية الكوزموبوليتانية، المنفتحة على الثقافات، في أن يكسر القوالب النمطية للفنان، ليصبح ممثلاً يمتلك أسرار الدراما والكوميديا، ومطربًا استعراضيًا يضج بالحياة على المسرح، ومحاورًا تلفزيونيًا من طراز رفيع صاغ ببرامجه الأسطورية وجدان الأمة.

من شاشة السينما إلى ميكروفون العمالقة


لقد تجسد هذا التنوع الباهر في مسيرة حافلة قدم خلالها أفلامًا شكلت علامات فارقة في تاريخ السينما، ومنها "البحث عن فضيحة" الذي يعد أيقونة الكوميديا المصرية، و"وبالوالدين إحساناً"، و"دموع صاحبة الجلالة"، و"جحيم تحت الماء" الذي خاض فيه مغامرة الإنتاج السينمائي الكبير، وصولاً إلى فيلمه الإنساني البديع "بتوقيت القاهرة". وعلى الشاشة الصغيرة والإذاعة، ترك بصمة لا تُمحى عبر برامجه الحوارية التاريخية مثل "النادي الدولي" و"هذا المساء"، وبرنامجه الإذاعي الأخير "ذكرياتي" الذي ظل يوثق من خلاله شهادات العمالقة حتى الأسابيع الأخيرة من حياته.


شهادات رفقاء الدرب: "الجوكر" وصانع السينما

ولعل القيمة الحقيقية لسمير صبري تتجلى بوضوح عندما نستمع إلى شهادات وآراء كبار المخرجين والفنانين الذين عاصروه واقتربوا من عالمه؛ ففي لقاءات سابقة ومتعددة، رسم هؤلاء المبدعون لوحة فنية وإنسانية لشخصية صبري، مجمعين على أنه كان حالة نادرة من الصعب تكرارها.
من الجانب المهني والسينمائي، تحدث المخرج الكبير محمد عبد العزيز بكثير من الإعجاب عن مرونة صبري الاستثنائية أمام الكاميرا، مشيرًا إلى أنه كان يمتلك ذكاءً حادًا وفريدًا في التقاط تفاصيل الشخصية وفهم رؤية المخرج، وقدرة مذهلة على التحول بين المشاهد التراجيدية المعقدة والكوميديا الراقية المبنية على الموقف في لمح البصر، واصفًا إياه بـ "جوكر السينما المصرية" الذي يمنح أي عمل يشارك فيه ثقلاً وجاذبية وجماهيرية. وفي سياق متصل، أكد المخرج مجدي أحمد علي في شهاداته أن سمير صبري لم يكن مجرد ممثل يؤدي دورًا وينصرف، بل كان صانع سينما حقيقيًا ومغامرًا من طراز فريد، دعم الصناعة كمنتج جريء في أوقات الأزمات عبر شركته الإنتاجية، وظل يمتلك روح الهواة وشغف الشباب بالسينما حتى آخر أيام عمره، وهو العشق الذي تجسد في نضوجه الفني المتأخر وأدائه الفلسفي البديع في فيلم "بتوقيت القاهرة" مع رفيق دربه نور الشريف.

حائط الصد الإنساني وشبكة أمان المبدعين

أما على مستوى العلاقات الإنسانية والروابط التي جمعته بأهل الفن، فقد كانت تصريحات النجوم تفيض بالحب والامتنان والتقدير لشخصه؛ إذ وصفت النجمة يسرا الراحل في العديد من الإطلالات التلفزيونية بـ "صمام الأمان وأجدع رجل في الوسط الفني"، مؤكدة أنه كان يمثل شبكة إغاثة اجتماعية متنقلة لكل زملائه، وكان يمتلك بوصلة إنسانية خاصة تحركه غريزيًا نحو أي فنان يمر بأزمة صحية، أو نفسية، أو مادية، ليقف بجانبه، ويدبر شؤونه، ويدعمه في الخفاء دون أي رغبة في التباهي أو الشو الإعلامي. وفي لقاء تلفزيوني مؤثر، تحدث الفنان الكبير حسين فهمي عن رفيق رحلته الطويلة، ملقبًا إياه بـ "الموسوعة المتنقلة" و"ابن الأصول"، ومستذكرًا كيف كان صبري يضفي طاقة إيجابية هائلة وبهجة لا تنتهي في كواليس التصوير مهما كانت الظروف قاسية، ومشددًا على أن الساحة الفنية فقدت برحيله آخر فرسان جيل الفنان الشامل الرصين الذي يجمع بين الثقافة الموسوعية، والموهبة الفطرية، والرقي الإنساني النادر في التعامل مع الصغير قبل الكبير.


دستور "صانع البهجة" وفلسفة العطاء الطيِّب

وفي المقابل، جاءت كلمات سمير صبري وتصريحاته في لقاءاته الأخيرة كدستور مأثور يلخص فلسفته في الفن والحياة؛ حيث كان يردد دائمًا عبارته الشهيرة التي تختزل جوهر شخصيته: "أنا عمري ما عشت عشان أكون نجم، أنا عشت عشان أكون إنسان بيسيب أثر طيب"، وهو ما ترجمه في موقفه من زملائه حين قال في حوار تلفزيوني مؤثر: "الوسط الفني مش مجرد أضواء وشهرة، الوسط الفني عيلتي، والواحد ما بيتخلاش عن عيلته وقت الشدة". وعن مفهومه للبهجة والعمر, ترك صبري مقولته الملهمة: "السن مجرد رقم في شهادة الميلاد، طول ما قلبك بينبض بالشغف وحب الناس، هتقدر تغني وترقص وتضحك وتخلي اللي حواليك يبتسموا"، كما لخص رؤيته لمهنة الإعلام التي برع فيها بعبارة رصينة قال فيها: "المذيع الناجح مش اللي بيحرج ضيفه، المذيع الذكي هو اللي بيعرف يخرج من الضيف الإنسانية اللي جواه ويقدمها للجمهور باحترام".

إرث حيّ وقوة ناعمة لا تغيب

إن هذه الآراء والشهادات، وتلك الكلمات النابعة من قلب فنان حقيقي، لم تكن مجرد مواقف عابرة، بل كانت اعترافًا واعيًا وفلسفة حياة تثبت أن سمير صبري كان يمثل الجسر النبيل الذي يربط بين أجيال المبدعين، والقلب النابض الذي يضخ الحب والوفاء في عروق الوسط الفني. وفي ذكرى وفاته، يتبين لنا أن الجسد وإن غاب واحتجب تحت الثرى، فإن سيرة هذا الفنان الاستثنائي تظل نابضة بالحياة من خلال أعماله الخالدة وكلماته المأثورة، تلهم الأجيال الجديدة وتذكرهم بأن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يمتزج بالثقافة، ويغتني بالشهامة، ويتوج بالرقي الإنساني، ليبقى اسم سمير صبري محفورًا بأحرف من نور كواحد من أبرز وأهم أعمدة القوة الناعمة التي شكلت هوية ووجدان الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء